قاسم المرشدي يكتب: العراق.. مهد الحضارات وبلد النفط أم “مطعم شعبي كبير”؟
من يتابع المشهد العراقي عبر الشاشات الشعبية (منصات التواصل الاجتماعي) – مثل فيسبوك، إكس، إنستغرام، وحتى “واتساب” الذي ينقل المقاطع يومياً بين العوائل والمجموعات- سيلاحظ كيف تسيطر فيديوهات المطاعم وجولات الأكل على قائمة الاهتمام، مشاهد تتنافس في عرض أطباق اللحوم من أبقار وخراف وإبل… ولحوم أخرى لا تظهر عادة في قائمة الطعام أو المجازر الرسمية!
وتصور عملية الاستهلاك اليومي هذه وكأنها الأساس والغاية الأولى من الحياة في بلاد الرافدين، بل ربما هي الهدف المبتغى “سياسيا.
وفي المقابل، يقف المتابع أمام مفارقة صارخة، فالبلد الذي علم البشرية الكتابة وسن أولى القوانين في التاريخ، والذي يسبح اليوم على بحار من النفط والغاز وتعلن وزارته شهريا عن صادرات بمليارات الدولارات، يخلو فضاؤه الرقمي تقريبا من أي محتوى جاد يتحدث عن هذه الثروات أو يعيد التذكير بمسؤوليته الحضارية:
قاسم المرشدي يكتب : قمم مكة..إيران بلا أصدقاء وعيونها على الناخب الامريكي!؟
أين تذهب هذه الأموال؟
ولماذا لا نرى أثرها في شوارع بغداد والخضارة، أو في المدارس والمستشفيات، ومحطات تحلية المياه والكهرباء وبنيتها التحتية؟
أين أثرها في الحد من الظلم والجريمة، وتعديل الفوارق في سلم رواتب الموظفين العراقيين، حيث أصبح هناك مواطن من درجة أولى وآخر من درجة رابعة؟
بل أين أثرها حتى في المقابر؟
إذ باتت توجد قبور من درجة أولى وأخرى من درجة رابعة، لترتسم الطبقية في أرض أور وبابل وأشور حية وميتة!
وأين الصناعة الوطنية والنهضة العمرانية التي تليق بتاريخ بلاد الرافدين كما نراها في بلدان أخرى؟
لا أحد يرفض وجود المطاعم أو يقلل من قيمتها الاجتماعية، لكن السؤال البسيط هو:
لماذا يغيب الحديث عن مصير هذه الثروات وتاريخ هذا البلد العظيم خلف مقاطع الطعام؟ فحرية التعبير ليست حكراً على الترويج للمطاعم وتحديات الأكل.
قاسم المرشدي يكتب : الدولة العميقة المرعوبة من ضياع الامتيازات تطرح ورقة حيدر العبادي!؟
إن الأمر يتجاوز غياب الوعي الاقتصادي والحضاري، ليصل إلى عملية “تغييب وتخدير للأذهان” تجري بهدوء، حيث يشغل الناس بالصراعات الجانبية بين جمهور الأحزاب والمنظمات القائمة على المحاصصة والامتيازات، إلى جانب الاهتمامات السطحية.
فإبعاد الناس عن متابعة ملفات السيادة والطاقة والمال والإرث الحضاري لا يحتاج دائماً إلى منع أو تهديد، بل يكفي أن تسيطر ثقافة “الأكل والتسلية” لتوجه اهتمام الشعب بعيداً عن الأسئلة المصيرية.
أمام هذه الصورة، يجد القارئ نفسه أمام تساؤل مستحق: هل يُقاد الوعي العام تدريجيا ليتكيف مع واقع يراد فيه لعاصمة التاريخ ومهد الحضارات أن يختصر تاريخها وثرواتها في صورة مطعم كبير؟
اقرأ للكاتب
قاسم المرشدي يكتب : النفاق السياسي الامريكي وسقوط نظام الإسلام السياسي في العراق!

