أسبوع الجحيم وتقديرات الخسائر للكيان الصهيوني في مواجهة إيران

 

تقرير – يحى الجعفري

بعد أسبوع واحد فقط من اندلاع المواجهة الجوية المباشرة بين إيران وإسرائيل، بدأت المؤشرات الاقتصادية تكشف عن حجم الضغوط المتزايدة التي يتعرض لها اقتصاد الكيان الصهيوني في ظل القيود الأمنية والتعبئة العسكرية الواسعة. فمع اتساع نطاق العمليات العسكرية وفرض قيود صارمة على النشاط المدني، تواجه إسرائيل تكاليف اقتصادية متصاعدة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من المدى القصير.

تشير تقديرات وزارة المالية بحكومة الاحتلال إلى أن القيود الاقتصادية المفروضة تحت مستوى الطوارئ المعروف بـ”الخط الأحمر” (Red) وتؤدي إلى خسائر تصل إلى نحو 9.4 مليار شيكل أسبوعيًا، أي ما يعادل تقريبًا 3 مليارات دولار. وتشمل هذه الخسائر التأثيرات غير المباشرة الناتجة عن إغلاق المدارس والجامعات، القيود المفروضة على التنقل والعمل، إلى جانب تعبئة واسعة لقوات الاحتياط، ما أدى إلى تراجع الإنتاجية في عدد من القطاعات المدنية.

الضغوط العسكرية وتكاليف الدفاع الجوي

على الصعيد العسكري، تمثل منظومات الدفاع الجوي أحد أبرز مصادر الاستنزاف المالي خلال الأيام الأولى من المواجهة. إذ يعتمد الكيان الصهيوني على شبكة متعددة الطبقات من أنظمة الاعتراض، تشمل منظومات آرو ومقلاع داوود والقبة الحديدية، إضافة إلى دعم أمريكي بأنظمة Patriot وTHAAD.

وبحسب تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، فإن التكلفة التقديرية للعمليات العسكرية خلال أول 100 ساعة من المواجهة قد بلغت نحو 3.7 مليار دولار، وهو رقم يعكس حجم الاستهلاك الكبير للذخائر الاعتراضية في ظل إطلاق أعداد كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة. وتشير التقديرات إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه التكلفة مرتبط بالحاجة إلى إعادة بناء مخزون الدفاع الجوي، وهو ما قد يفرض أعباء إضافية على ميزانية الاحتلال في حال استمرار العمليات لفترة أطول.

الاقتصاد تحت القيود: تعطّل الإنتاج وتراجع النشاط

في الداخل، أدى تطبيق القيود الأمنية المشددة إلى تعطّل قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي. وتشير تقديرات وزارة المالية إلى أن القيود المفروضة على الاقتصاد في المستوى “الأحمر” تترجم إلى خسائر اقتصادية إجمالية تبلغ نحو 3 مليارات دولار أسبوعيًا، نتيجة توقف أو تباطؤ قطاعات مثل الإنشاءات والتجارة والخدمات والتعليم.

كما ساهمت التعبئة الواسعة لقوات الاحتياط في تقليص حجم القوى العاملة المتاحة في السوق، خاصة في قطاعات تعتمد على العمالة عالية المهارة مثل قطاع التكنولوجيا المتقدمة (الهاي تك)، الذي يمثل أحد الأعمدة الرئيسية لاقتصاد حكومة الاحتلال. ويؤدي هذا النقص في العمالة، إلى جانب القيود على الحركة والعمل، إلى تراجع ملحوظ في الإنتاجية خلال فترة الأزمة.

تداعيات محتملة على التجارة العالمية وأسواق الأسمدة

ولم تقتصر تداعيات المواجهة على الاقتصاد محليًا فحسب، بل امتدت آثارها المحتملة إلى أسواق السلع العالمية، خاصة في حال تصاعد التوتر في منطقة الخليج. فمضيق هرمز يُعد أحد أهم ممرات التجارة البحرية في العالم، ويمر عبره جزء كبير من صادرات الطاقة والمواد الخام.

وفي هذا السياق، حذرت تقارير اقتصادية من أن أي اضطراب في حركة الملاحة في المضيق قد يؤثر على تجارة الأسمدة العالمية، إذ تمثل منطقة الخليج حصة كبيرة من صادرات اليوريا والمنتجات النيتروجينية.، ما انعكس سريعا على أسعار بعض الأسمدة بالفعل التي شهدت ارتفاعات سريعة في الأسواق الدولية خلال الأيام الأولى من التصعيد، ما يعكس حساسية الأسواق الزراعية لأي اضطراب في الإمدادات.

الأعمال الصغيرة: الحلقة الأضعف في زمن الأزمات

وتمثل الشركات الصغيرة والعاملون لحسابهم الخاص أحد أكثر القطاعات عرضة للتأثر بالأزمات الأمنية والاقتصادية. إذ تشير بيانات معهد الديمقراطية في فلسطين المحتلة إلى أن هذه الفئة تمثل أكثر من 13% من سوق العمل في الكيان الصهيوني.

وكانت هذه الشريحة قد عانت بالفعل من آثار الحرب في غزة خلال الأشهر السابقة، حيث أظهر استطلاع أجري قبل التصعيد الحالي أن نحو نصف العاملين لحسابهم الخاص سجلوا دخولًا أقل من مستويات ما قبل الحرب، بينما أفاد 49% منهم بتراجع في حجم النشاط التجاري. ومع استمرار القيود الأمنية الحالية، قد تواجه هذه الفئة تحديات إضافية، في ظل محدودية شبكات الأمان الاجتماعي المتاحة لهم مقارنة بالعاملين في القطاعات النظامية.

تحذيرات دولية من تداعيات أوسع

وعلى الصعيد الدولي، حذر صندوق النقد الدولي من أن أي تصعيد طويل الأمد في الشرق الأوسط قد يشكل اختبارًا جديدًا لمرونة الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التوترات القائمة بالفعل في أسواق الطاقة والتجارة.

وقالت المديرة العامة للصندوق كريستالينا جورجييفا إن استمرار الصراع قد يخلق “مطالب جديدة” على صانعي السياسات الاقتصادية، مشيرة إلى أن التأثيرات المحتملة قد تشمل ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط التضخمية، وتباطؤ النمو الاقتصادي في عدد من الدول.

المخاطر المالية على اقتصاد الاحتلال

من جانبها، حذرت وكالة S&P Global Ratings من أن استمرار العمليات العسكرية قد يفرض ضغوطًا إضافية على المالية العامة لحكومة الاحتلال ، نتيجة الزيادة الكبيرة في الإنفاق الدفاعي.

وكانت التوقعات السابقة تشير إلى أن العجز المالي قد يبقى دون مستوى 6% من الناتج المحلي في 2025 و4.8% في 2026، إلا أن التصعيد العسكري قد يدفع هذه التقديرات إلى الارتفاع. كما أن استمرار حالة عدم اليقين قد يؤثر على تدفقات الاستثمارات الأجنبية، رغم قوة قطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي يمثل نحو 20% من الاقتصاد الإسرائيلي.

خيار تخفيف القيود الاقتصادية

في محاولة للحد من الخسائر الاقتصادية، اقترحت وزارة المالية الإسرائيلية الانتقال تدريجيًا من مستوى القيود “الأحمر” إلى المستوى “البرتقالي”، الذي يسمح بإعادة تشغيل جزء من النشاط الاقتصادي مع الحفاظ على إجراءات أمنية أساسية.

وبحسب التقديرات الرسمية، فإن هذا التحول قد يؤدي إلى خفض الخسائر الأسبوعية إلى نحو 1.4–1.5 مليار دولار، أي أقل من نصف الخسائر المقدرة في ظل القيود القصوى المفروضة حاليًا.

وتؤكد كل تلك المؤشرات الاقتصادية الأولية إلى أن المواجهة العسكرية بين إيران والكيان الصهيوني لا تفرض فقط تكاليف عسكرية مباشرة، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد المدني والأسواق العالمية. فبين استنزاف منظومات الدفاع الجوي، وتعطّل النشاط الاقتصادي، واحتمالات اضطراب التجارة الدولية، يواجه اقتصاد الكيان اختبارًا صعبًا يعتمد في نتائجه النهائية على مدة الصراع وحدود توسعه الجغرافي.

وفي حال استمرار التصعيد لفترة أطول، قد تتحول الخسائر الأسبوعية الحالية إلى ضغوط مالية واقتصادية أعمق، سواء على مستوى الميزانية العامة لحكومة الاحتلال أو على أساس استقرار الأسواق الإقليمية والدولية.

شكرا للتعليق