من عبد الغفار شكر إلى مدحت الزاهد وطلعت فهمي.. ثلاثة أساتذة وثلاث تجارب في مدرسة العمل الحزبي

في ذكرى رحيل المفكر الكبير عبد الغفار شكر، أجدني مدفوعًا للحديث عن ثلاثة من رؤساء الكيان السياسي، حزب التحالف الشعبي الاشتراكي الذي انتميت إليه، وتشرفت بأن أكون جزءًا من رحلته لسنوات. ثلاثة رجال جمعتني بهم تجارب مختلفة، لكن لكل منهم بصمة خاصة في تكويني الفكري والسياسي والمهني، وتعلمت من كل واحد منهم درسًا ظل حاضرًا في حياتي حتى الآن.
في مثل هذا اليوم، رحل عن عالمنا المفكر والسياسي الكبير عبد الغفار شكر، الذي تشرفت بأن يكون في يوم من الأيام رئيسًا للحزب الذي انتميت إليه، كما تشرفت بأن جمعتني به الأقدار في إحدى المناسبات، فجلست معه على منصة واحدة.
لم تكن علاقتي بعبد الغفار شكر مجرد علاقة حزبية عابرة، أو لقاءات جمعت بين عضو في الحزب ورئيسه، بل كانت تجربة إنسانية وسياسية تعلمت منها الكثير. ولعل أول ما تعلمته منه، وأحد أهم الدروس التي لا أنساها، هو أن الترفع عن الرد على الهجوم أو الإهانة قد يكون في حد ذاته انتصارًا، وأن عدم الانجرار إلى معارك صغيرة لا ينتقص من المرء، بل يرفع من قدره.
تعلمت منه الكثير في الفكر والثقافة والسياسة والتنظيم، وربما يصعب الحديث عن التثقيف السياسي في مصر دون المرور باسم عبد الغفار شكر. فقد كان، بحق، أحد أبرز أساتذة التثقيف والفكر السياسي في جيله، ومن الصعب أن تجد شخصًا تشكل وعيه السياسي بعيدًا عن مدرسته؛ فإما أنه جلس أمامه وتعلم منه مباشرة، أو تعلم على أيدي أحد تلاميذه.
يحي الجعفرى يكتب: سند المواطن أم فخ السيولة؟
وإذا كان الحديث عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أو عن العمل الحزبي والتنظيم السياسي، فمن الصعب تجاوز إسهاماته. فالرجل ترك أثرًا ممتدًا في هذا المجال، سواء من خلال كتاباته ومؤلفاته أو عبر أجيال من السياسيين والباحثين الذين تتلمذوا على أفكاره ونقلوا عنها.
وعندما أتحدث عن التنظيم والسياسة، وعن الدروس التي تعلمتها في كيفية التعامل مع الآخرين، لا يمكنني أن أتجاوز اسم مدحت الزاهد، الذي كانت له بصمة أخرى في حياتي، وتعلمت منه الكثير سياسيًا وصحفيًا.
ومن أبرز ما لفت انتباهي في تجربة مدحت الزاهد التحول الذي طرأ على أسلوب تعامله مع الأحداث والمواقف السياسية بعد توليه مسؤولية رئاسة الحزب. فقد استطاع أن يتبنى موقفًا موضوعيًا، وأحيانًا محايدًا، في التعامل مع مختلف الأطراف، وأن يفصل بين قناعاته الشخصية وبين مسؤولية قيادة كيان سياسي يضم آراء واتجاهات متعددة.
كان رأيه السياسي، على غرار ما تعلمناه من عبد الغفار شكر، لا يمنعه من إتاحة المساحة للرأي الآخر، بل وتبنيه إذا ما حظي بتأييد الأغلبية. استطاع أن يقدم نموذجًا للشخصية التي تجمع ولا تفرق، وتدرك أن مسؤولية القيادة لا تتوقف عند الدفاع عن الرأي الشخصي، مهما كان صاحبه مؤمنًا به، وإنما تمتد إلى استيعاب الاختلاف وإدارة التباين والوصول إلى مساحات مشتركة.
وربما كان الزاهد، قبل توليه مسؤولية الرئاسة، أكثر انحيازًا إلى آرائه، وأكثر شراسة في الدفاع عنها، لكن لكل موقع مسؤولياته ومتطلباته. فالقيادة الحزبية تحتاج إلى قدر كبير من التوافقية، وتفرض على صاحبها أن يتعلم كيف يجمع المختلفين حول مساحة مشتركة. وهذا أحد الدروس التي أعتقد أن تجربته قدمتها لنا.
أما طلعت فهمي، الأمين العام السابق والرئيس الحالي للتحالف الشعبي الاشتراكي، ومؤسس حركة المهندسين الديمقراطيين التي أسست تيار «مهندسين ضد الحراسة»، فهو صاحب مكانة مختلفة في تجربتي؛ فهو أستاذي المباشر وأبي الروحي في العمل الحزبي، وكانت علاقتي به أكثر قربًا بحكم عملي مديرًا لمكتبه لسنوات.
إذا كان عبد الغفار شكر قد علمني جانبًا مهمًا من الفكر السياسي والتنظيم، وكان مدحت الزاهد نموذجًا في إدارة الاختلاف والتوافق، فإن طلعت فهمي علمني أشياء تتجاوز حدود السياسة والعمل الحزبي؛ علمني الصحافة رغم أنه لم يكن صحفيًا بالمعنى المهني، وعلمني التنفيذ وتحمل المسؤولية، والأهم من ذلك أنه علمني الحياة.
يحي الجعفرى يكتب: خواطر صحفي معزول
من خلال الاحتكاك اليومي به، تعلمت كيف أتعامل مع المواقف الصعبة، وكيف أتحمل تبعات قراراتي، وكيف أكون مبادرًا بدلًا من انتظار أن يقوم الآخرون بما ينبغي القيام به. تعلمت منه أن المسؤولية ليست مجرد موقع إداري أو لقب، وإنما سلوك يومي وطريقة في التعامل مع الناس والأزمات والتحديات.
كان طلعت فهمي يشبه عبد الغفار شكر في قدرته على الترفع عن الرد على الهجوم، لكنه كان أكثر حزمًا وحسمًا في التعامل مع المواقف. ومن أهم الدروس التي تعلمتها منه أن المسؤولية الحقيقية لا تعني الانشغال بمحاسبة المقصرين أو مهاجمة من لا يمتلكون القدرات الكافية، خصوصًا في العمل التطوعي.
فإذا كنت مسؤولًا عن مجموعة من الأشخاص، واكتشفت أن أحدهم متكاسل أو مهمل أو محدود القدرات، فلا ينبغي أن يتوقف دورك عند انتقاده أو إهدار وقتك وجهدك في محاسبته؛ بل عليك أن تبحث عن كيفية سد الفجوة، وأن تبادر إلى إنجاز ما لم ينجزه الآخرون، ما دمت قد قبلت موقع القيادة وارتضيت تحمل مسؤوليته.
باختصار، علمني طلعت فهمي المبادرة، وعلمني أن القيادة ليست امتيازًا، وإنما مسؤولية، وأن الإنسان لا يُقاس فقط بما ينجزه بنفسه، بل أيضًا بقدرته على التعامل مع قصور الآخرين وتحمل ما تفرضه عليه المسؤولية.
ثلاثة رجال، وثلاث تجارب مختلفة، لكن ما يجمع بينها أنها كانت جزءًا من رحلة تعلمت فيها الكثير. تعلمت من عبد الغفار شكر الفكر والثقافة والتسامح والترفع، ومن مدحت الزاهد إدارة الاختلاف والتوافق، ومن طلعت فهمي التنفيذ والمبادرة وتحمل المسؤولية، بل والحياة.
ولأن الحديث عن هؤلاء ليس مجرد استعادة لذكريات حزبية، بل اعتراف بفضل أشخاص تركوا أثرًا في تكويني، وجدت أن من الواجب أن أكتب هذه الكلمات.
شكرًا لكل من علمني، ولكل من ترك في تجربتي ما يستحق أن أحمله معي.
أما وقد اعتزلت العمل العام كله، وانهكتني ضغوطه لا يبقى لي أن أقول سوى ، كل الشكر لمن علموني، رحم الله المفكر الكبير عبد الغفار شكر، وأتمنى التوفيق لمدحت الزاهد وطلعت فهمي، ولكل من يواصلون العمل من أجل ما آمنوا به.
اقرأ ايضاً
اقتصاديات الحرب غير المتكافئة وفخ الاستنزاف المالي

