اقتصاديات الحرب غير المتكافئة وفخ الاستنزاف المالي

يحى الجعفري
تقرير: يحي الجعفري – مصر

لا يمكن بأي شكل من الأشكال اعتبار الصراع الدائر في الخليج اليوم بين المسيرات الإيرانية و أنظمة الدفاع الغربية اشتباكًا تكنولوجيًا تقليديا، ولكننا أمام إعادة إنتاج ما يسميه الخبراء الاستراتيجيون “فخ الاستنزاف المالي”، ففي الوقت الذي تطلق فيه مسيرة شاهد والتي يتراوح ثمنها 20 إلى 50 ألف دولارًا وفقاً لتحليلات منصة فينومينال وورلد وشبكة إن دي تي في، تصبح البحرية الأمريكية أمام خيارين أحلاهما مر فإما أن تعترضها برشقة صواريخ باترويت والذي يتكلف 4 ملايين دولار وهو ما أكدته تقارير سمول وورز جورنال وصحيفة وول ستريت جورنال. للصاروخ الواحد، أو تنتظر أن يصيب أحدى قطعها البحرية أو الجوية محدثًا أضرارًا مادية وبشرية، علاوة على تهديد هيبة ومكانة العم سام في المنطقة.

هذه المسيرات هنا لا تخرج لتدمر الهدف، بل تخرج لأحدى الحسنيين كما يقال، فهي تستنزف ميزانية الخصم من خلال محاولاته للتصدي لها، أو أن تصيب هدفها.

الأمر لا يقف عند هذا الحد بل أن ثمة طامة أكبر تهدد البحرية الأمريكية في صراعها مع الجمهورية الإسلامية، وهو زمن الإنتاج، فبينما بلغ اجمالي الإنتاج السنوي للوكهيد مارتن في 2025 من صواريخ باتريوت 620 صاروخا كما افصح تقرير سمول وورز جورنال، تستطيع طهران انتاج المسيرات بوتيرة أسرع ب 20 مرة تقريبًا.

بل أن مركز درون وورفير للأبحاث الاستراتيجية يؤكد أن معدلات الإنتاج الشهري لهذه المسيرات ارتفع ليصل إلى 3000 وحدة، مما يعني قدرة إيران على إغراق مسرح العمليات بأسلحة تفوق قدرة المصانع الغربية على تعويض صواريخ الاعتراض المستهلكة.

وعلى الرغم من الفارق المهول بين ميزانيتي الدفاع بين أمريكا والمقدرة ب 235 مليار دولار مقابل 17:23 دولار بحسب افصاحات وكالة وانا ومنصة وار اون ذا روكس، إلا أن بهذه الكيفية المشار إليها فالميزانية لن تكون طرفًا في المعادلة بشكل من الأشكال.

وكشف تقرير سمول وورز جورنال عن استهلاك حوالي 800 صاروخ اعتراض في أيام قليلة فقط من النزاع ما يجعل المخزون الاستراتيجي في سباق خاسر ضد “الوفرة الرقمية” للمسيرات المصنوعة من مكونات تجارية متاحة عالمياً.

هذه الطفرة من خلقت لإيران “التفوق غير المتكافئ” لإرهاق الترسانة الغربية، وأصبح التحدي الحقيقي للبنتاجون ليس في زيادة قوة الصواريخ، بل محاولة التفكير خارج الصندوق والبحث عن منظومات دفاعية أقل كلفة وأسرع إنتاجا مثل الاعتماد على تقنيات الليزر أو المسيرات الاعتراضية “الانتحارية” وهو التوجه الذي دعا له مركز أبحاث درون وورفير

فالحرب التي شنتها أمريكا على إيران ما هي إلا إنعكاس واضح لصراعات اقتصادية ورغبة أكيدة من الإدارة الأمريكية في الإمساك بزمام الأمور في المنطقة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يزعم البيت الأبيض أنه ربح الحرب عسكريًا فيما هو قد أنفق ملايين الدولارات لإعتراض مسيرات بألاف الدولارات !!

يضع هذا المشهد المعقد الإدارة الأمريكية أمام حتمية استراتيجية لا تقبل الجدال، فإذا كان دونالد ترامب يتحرك وفق عقلية ومنطق علمي يزن الكلفة بميزان العائد، فإن العودة إلى مربع الحرب مجدداً ستكون بمثابة انتحار مالي معلن.

إن لغة الأرقام الصادمة تعكس حجم المأزق؛ فحجم الإنفاق التقديري الذي تكبدته البحرية الأمريكية لصد هجمات المسيرات في بضعة أسابيع تجاوز حاجز الـ 1.5 مليار دولار (شملت الصواريخ الاعتراضية، وتكاليف تشغيل القطع البحرية، وإصلاح الأضرار)، بينما لم تتكلف الجبهة الأخرى سوى بضعة ملايين معدودة.

هذه المعادلة الصفرية تثبت أن الاستمرار في ذات النهج لن يعني سوى نزيف مستمر لمخزون استراتيجي استغرق سنوات لبنائه، ويتطلب تعويضه أضعاف زمن إنتاجه الحالي.

ومن هنا، يصبح الخيار العقلاني الوحيد أمام البنتاجون ليس مجرد البحث عن تكنولوجيا بديلة، بل إعادة النظر في جدوى الانخراط في صراعات استنزافية غير متكافئة، فالتفوق العسكري التقليدي لم يعد ضمانة للنصر، ومواجهة “الوفرة الرقمية” بأدوات الماضي هي أسرع طريق لخسارة الحرب اقتصادياً قبل أن تبدأ عسكرياً.

اقرأ ايضاً

الانفجار الصامت: كيف تنهار خزائن الاحتلال تحت وطأة الحرب الممتدة على جبهتي غزة إيران؟

شكرا للتعليق