مصطفى جودة يكتب: كتاب الله المنظور «1ــ 2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
عندما نتحدث عن الكون فنحن نتحدث عن خلق من خلق الله نستطيع أن ندركه بأبصارنا وبصيرتنا. الكون هو كتاب الله المنظور الذى تحدثت عنه كل الكتب السماوية وكتب عنه العلماء والفلاسفة والأدباء واستخدم الشعراء قمره وشمسه ونجومه ليصفوا بها جمال الحبيب، هذا يعنى أننا مكلفون بالتفكر والتدبر فى آيات الكون بالبحث المستمر فيما يخص كل الأمور فيه وكيف بدأ الخلق: «أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير». 19 العنكبوت. ثم نحن نعلم أن الله هو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده: «قل هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده قل الله يبدؤا الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون». 34 يونس. سواء كانت هذه البداية هى الانفجار العظيم الذى تم قبول فكرته عام 1950 أو غير ذلك من نظريات بدء خلق الكون التى شغلت الفلاسفة والعلماء قديما وحديثا. ما نعرفه الآن بعد ثورات علمية وإرسال تلسكوبات خارقة للفضاء ترسل لنا ملايين الصور المذهلة تحوى كل منها أسرارا لم تكن معلومة قبلها بثواني. نعلم الآن أنه توجد مجرات فى الكون يحتاج الضوء أكثر من 6 ملايين سنة ليقطع طولها.
سنلخص فى المقالتين الآتيتين النماذج المختلفة للكون والتى تمت صياغتها منذ بدأ القرن العشرين. فى عام 1900، كان التصور الكونى يعتمد على نموذج الكون الثابت والمحدود. كان الاعتقاد السائد أن الكون يتكون أساسا من مجرتنا درب التبانة فقط وأنه لا يوجد شيء خارجها. كانت النجوم والسدم المرصودة تعتبر جزءا من مجرتنا. كان تصور الكون أنه أزلى لا يتغير وهو الذى يعرف بنموذج الكون الثابت الذى تتحرك فيه الأجسام وفقا لقوانين الجاذبية التى صاغها نيوتن. وفى عام 1929، أثبت الأمريكى إدوين هابل أن الكون يتمدد وأن المجرات تبتعد عنا بسرعات تتناسب مع بعدها عن الأرض مما أدى الى فكرة توسع الكون. استخدم هابل قياساته للانزياح الأحمر، وهو ظاهرة تشير الى أن الضوء القادم من النجوم والمجرات وغيرها يتحول نحو اللون الأحمر فى الطيف الضوئى وهو الأمر الذى يعنى أن الأطوال الموجية للضوء تصبح أطول، وهو الأمر الذى يجعل الضوء أكثر احمرارا.
استنتج هابل من ذلك أنه عندما تتباعد عنا المجرات والنجوم يحدث تمدد للضوء القادم منها، مما يجعل لونه يتحول نحو اللون الأحمر. من خلال هذا الاكتشاف تمكن هابل من قياس سرعة تباعد المجرات والنجوم وفهم توسع الكون. على هذا الأساس قدر هابل عمر الكون أنه يبلغ 2 بليون سنة. فى الثلاثينيات كان هناك النموذج الذى صاغه سير جيمس جينز فى كتابه، النجوم فى مسالكها والذى ظهرت طبعته الأولى عام 1933، والذى لخص فيه نموذج الثلاثينيات من القرن العشرين فى ثلاث عبارات: «الأرض ليست إلا فردا من أفراد أسرة الشمس، والأسرة الشمسية ليست إلا فردا من أفراد المجموعة المجرية، والمجموعة المجرية ليست إلا فردا من أفراد مجموعة المدن النجومية أو السدائم الكبرى التى فى الفضاء».
أما بخصوص عمر الكون فيقول إن الشواهد التى أمامنا مضطربة جدا، بل متناقضة، ونحن بعيدون عن أن نستطيع الوصول الى قرار حاسم.
أما النموذج السائد فى الأربعينيات فقد صاغه الدكتور على مصطفى مشرفة عام 1943، فى كتابه مطالعات علمية. تخيل الدكتور مشرفة أنه سيقوم برحلة كونية ومن خلالها سيرسم لنا تصوره لنمذجة الكون. يقول مشرفة: « سنمتطى شعاعا من النور نوجهه حيث شئنا، ومن الشمس نستطيع أن نرى المجموعة الشمسية بأسرها مؤلفة من الكواكب التسعة وسنرى كلا منها يدور حول الشمس ومعه أقماره أو توابعه فى فلك يسبحون بعدها نفارق المجموعة الشمسية الى أقرب نجم إليها فنصله بعد أربع سنين، ومن هذا النجم تظهر لنا المجموعة الشمسية بأسرها كنقطة صغيرة فى الفضاء وسنستمر نزور النجوم المختلفة فنقطع ما بين النجم والذى يليه فى بضع سنين، فإذا خرجنا عن هذا العالم وسرنا بضعة آلاف من السنين ثم نظرنا وراءنا وجدنا هذا العالم مكونا من جمع غفير من النجوم على شكل مبطط يشبه الرغيف ووجدنا الشمس واحدة من هذه النجوم قريبة من مركز الرغيف.
هذا العالم هو العالم المجري. وإذا أردنا أن نعبره من أقصاه الى أقصاه استغرق هذا العبور نحو مئة ألف سنة وربما استغرق عشرة أمثال هذا الزمن. ولنرحل عن هذا العالم المجرى فننتقل الى السدم اللا مجرية فنصل إليه في بضع ملايين السنين. ثم لننظر من هذا السديم الى العالم المجرى فنجد مظهره كسحابة صغيرة فى سمائنا يشبه ما تظهر عليه السدم إذا ما نظرنا إليها من الأرض. فالأرض التى نعيش عليها يمكن اعتبارها نقطة تافهة فى المجموعة الشمسية التى يبلغ أكبر قطر فيها بضع ساعات ضوئية ثم إن المجموعة الشمسية بأسرها يمكن اعتبارها نقطة تافهة فى العالم المجرى الذى قد يبلغ أكبر قطر فيه نحو نصف مليون سنة ضوئية، ثم إن العالم المجرى بأسره إن هو إلا أحد مئات الألوف من العوالم المتفرقة فى الفضاء الذى لا نعلم له الى الآن حدا ولا نهاية. ثم جاء من بعده الدكتور جمال الفندي، والدكتور محمد يوسف حسن ليصيغا لنا النموذج السائد للكون فى الخمسينيات الكون على شكل قصة كتباها فى كتاب اسمه قصة السماوات والأرض نشرتها دار كتاب الشعب عام 1957، والذى قدمت له مراجعة فى الأسبوع الماضي والذى ذكر فيه الدكتور الفندى أن تقديرات عمر الكون تتغير بشكل كبير.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: قصة السماوات والأرض