لؤي ديب يكتب: ان اردنا التحليق مع النسور علينا ان نتوقف عن التسكع مع الغربان
منذ العام 1926 او بكلمات مختلفة منذ مئة عام لم يتوقف الشعب الفلسطيني عن القتال والمقاومة، مئة عام من الرفض للخنوع والاستسلام للأمر الواقع .
مئة عام تلون فيها النضال الفلسطيني بألوان كثيرة ، جانب الصواب والخطأ وفي مفاصل زمنية عانت مسيرة النضال الفلسطيني من الطفولة الثورية والصبيانية والمراهقة السياسية والنضوج السياسي والوطني وكل التجربة الان تعيش في مرحلة الشيخوخة لانها لا تتجدد ولا تورث الشباب ، ولا تتطور بشكل مخطط وانما بالامتداد للتوزيع الجغرافي للفلسطيني في الشتات وتأثره بالبيئة الحاضنة له ومواكبة العصر بشكل ارتجالي ولكنه لا يخضع لاي مركزية تذكر .
كانت مشكلتنا العميقة دوما في فهمنا العميق للثورة الفلسطينية ككل ، في حين كان يجب ان نحفظ الارواح لاستعادة فلسطين فعلنا العكس وفقدنا الارواح من اجلها ، هي ثقافة كانت تصلح في زمن معين وتقوم على مبدأ الموت من اجل منح الحياة ، ولكن في زمن التطور والاسلحة الفتاكة التى تُدار بالذكاء الصناعي فان فكرة ثقافة الموت قد تكون طريقا للفناء فالقتل في الماضى كان محدودا نظرا لطبيعة الاسلحة وسيادة جزء من القانون الدولي على عكس اليوم الذي يحتضر فيه القانون الدولي ويقوض ولا رقيب على فتك الاسلحة وبذا تكون ثقافة الامس كمن يُلقي بنفسه الي الهاوية .
علينا ان نحفظ الجذوة ولا نقدس الرماد ، بمعني احفظ جذوة النار، ولا تقدس رمادها، فالنار التي اشتعلت في قلوب الثوار كانت جذوة حرية وكرامة، أما الرماد فهو ما تبقى بعد أن خمدت تلك الجذوة، أو بعد أن تحولت إلى وهج لا يدفئ ولا يحرق، واعتلى الصدأ الاداة فارخى بعتمته على الفكرة .
كثيرة هي العقول التى تعشعش في قيادة التنظيمات ما زال فكرها مغلق ولا يغادر الماضى لانه يعلم انه لا يجيد الحاضر ، أنهم يحافظون على الثورة بتقديس ماضيها، بينما هم في الحقيقة يدفنونها بأيديهم، يبنون التماثيل للشهداء، ويهتفون باسم الأبطال، لكنهم يغفلون عن السؤال الأهم هل نحن في طريقنا إلى ما ضحوا من أجله؟ ام اننا نبتعد ؟
الثورة الفلسطينية منذ ان قاومت الاحتلال البريطاني وتواصلت لتقاوم الصهيوني لم تكن مجرد لحظة غضب ، بل كانت وعي مبكر ومدنية متقدمة وواعية في وسط محيط شرق اوسطي شبه جاهل وقتها ، كانت حلم دولة، ووعدا بكرامة، وثمنها دماء لم تجف بعد، فكيف نرضى أن تتحول إلى جماد واصنام نهتف لها وننتحر باستخدام ادواتها القديمة في عصر تكاد الرقمية تطبق عليه بالكامل .
أين نحن اليوم من الدولة التي كنا نحلم بها؟ وأين العدالة التي ضحينا من أجلها؟ وأين الذين سرقوا أحلامنا في فترات حكمهم المنقوصة تحت راية الثورة ذاتها ؟ اسئلة لا اعتقد انها تراوض عقل اي بغل يربض بغبائه على صدر الشعب الفلسطيني .
كل ادبياتنا تُقدس الشهداء وتنسى طريقهم وتستغل نسلهم ، كل ادبياتنا ترفع ادبيات الثوار وتعيش عكسها ، ليس العالم وحده هو من يؤلمنا فنحن نؤلم انفسنا بكذبة كبرى وفقاعة نعيش بداخلها وشعرة صغيرة تفصل بين الواقع والمنطق لكن نتائجها كبيرة تلك الشعرة وعندما تعجز عن تغير الواقع يكون الخلل غالبا في المنطق الذي لا يستطيع تكيف ادوات التغير .
هي كذبة كبيرة تبعدنا عن الهدف الذي قاتل من اجله اجداد اجدادنا ، و رزقنا الله بمخادعين يعرفون كيف يستغلون فلسطين وثورتها بتقديس رمادها بدلاً من إشعال جذوتها بأدوات عصرية بالارتكاز على الشباب الذي يُحطمه الجميع وباستغلال تمدد الشتات وتجربته بدل الدخول في خلافات معه وتصدير ازمة الانتماء له .
شعارات جعلوا منها أداة للسلطة لا وسيلة للتحرر، واُستغلت تضحياتها لتبرير واقع لا يختلف كثيرا عما ثرنا عليه. فاسألوا أنفسكم يا من تغتصبون ارادة الشعب الفلسطيني ، هل الثورة التي آمنتم بها لا تزال ناراً في قلوبكم، أم أنها أصبحت رمادا سحريا تعتاشون منه ؟
هل الدماء التي سالت ذهبت هدرا، أو أنها كانت ثمنا لدولة لم تولد بعد ؟ وهل الذين يدعون اليوم أنهم ورثة المقاومة الفلسطينية يحملون مشروعها، أم أنهم يبيعونها في سوق المصالح؟ الثورة ليست ماضي نقدسه، بل مستقبل نبنيه، فمن يكتفي بتقديس الجذور، اشلعتها من تحته سخونة الحياة .
لم يعاني الفلسطيني طول مسيرته وفي اصعب مفاصلها ابداً من البلاهة السياسية كما هذه الايام ، دوما كان فطن ويلاعب العالم والمنطقة على راحة فخده ، اما منّ يملؤن المشهد اليوم فهم لا يحتاجون لمن يفسر لهم احلامهم بل من يفسر لهم الواقع الذي يتعاملون معه ببرودة وسذاجة غير مسبوقة
فجرء منهم يراهن على قوة غير موجوده الا في اوهامه وجزء اخر يعيش على الوعود ليفيق في صباح يوم ويجد ان السراب من تحته قد سُحب ، وبالبلدي يا اخي تعاملوا بما ترونه منهم ، اما نواياهم البيضاء فليرقدوا عليها لحين افقاسها وتحولها لواقع.
المرء ينتابه شعور متناقض في بعض الاحيان ويتسائل هو هو وحده من يقرأ المشهد ويشعر بالقادم ام انه يعيش بين حلاليف ، انحدروا الي مستوى تبرير وجودنا على ارضنا ، وايضا بالبلدي لم نعد بحاجة الي تبرير انفسنا لاحد فليأخذوا عنا اسوأ فكرة وان شاء الله ربنا بقدرنا ونثبت لهم انهم لم يكونوا مخطئين .
اسوء مسافة يمكن ان تنشأ بين شعب وقيادته الحاكمة والمعارضة هي ( سوء الفهم ) واخطر متاهة هي ( سوء الظن ) والمنزلق للحفرة يكون في ( تنافر المصالح ) ، والفلسطيني فلس من كثر ما اشترى دماغه في صبره علي قيادته وكل السوء اعلاه يستوطن علاقة المواطن بقيادته الوطنية .
قبل ايام ادعت الصحافة الصهيونية ان السنوار رحمه الله كان قد توقع رداً نوويا من اسرائيل على خطة الهجوم لكنه مضى بها ، لذا كانت الطفولة والفقر الذي سيلازم الشعب مع التشرد وانحدار الكرامة وغيره كثير بم يكن حاضر في الحسبان لان ثقافة الموت لا الحياة هى التى تستوطن عمق التفكير .
للاسف معبد الكهنوت غير قابل للاصلاح لان المشكلة في العقول بين متحجر ومستفيد ، وهذا بالضبط ما تحتاجه المؤامرة كي تنسل بين جهل زرع احباط وتافه يسرق ما تبقى من البستان .
ان اردنا التحليق مع النسور علينا ان نتوقف عن التسكع مع الغربان 🫡.
اقرأ للكاتب
لؤي ديب يكتب: البتر الامريكي في مواجهة خيارات ايران المفتوحة !

