الأمن المائي والغذائي كسلاح سياسي

كاتب من الأردن
لم يعد الماء والغذاء مُجرَّد حاجتَيْن أساسيتين لبقاء الإنسان، ولا مِلَفَّيْن تقنيين تتولاهما الوزارات والمؤسسات المختصة بعيدًا عن السياسة.
في عالَم تتشابك فيه المصالح، وتتصاعد فيه الصراعات، ويتزايد فيه الضغط على الموارد، أصبح التحكم بالماء والغذاء قادرًا على أن يتحول إلى ورقة ضغط سياسية لا تقل خطورة عن السلاح.
قد تبدو الفكرة قاسية، لكنها ببساطة تعكس حقيقة يعرفها التاريخُ جيدًا: مَن يملك القدرة على التحكم بما يحتاجه الناس كي يعيشوا، يملك القدرة على التأثير في قراراتهم ومواقفهم ومستقبلهم.
الماء هو المورد الأكثر حساسية، لأنَّه لا يمكن الاستغناء عنه أو تعويضه بسهولة.
يستطيع الإنسان أن يؤجل شراء سلعة، أو يستبدل مُنْتَجًا بآخر، لكنه لا يستطيع أن يؤجل حاجته إلى الماء.
لهذا فإن السيطرة على مصادر المياه، أو التحكم في الأنهار والسدود، أو التأثير في تدفق المياه إلى دولة أُخرى، يمكن أن تتحول من مسألة فنية إلى قضية سيادية وأمنية وسياسية بامتياز.
إبراهيم أبو عواد يكتب: أوروبا والاستغناء عن الحماية الأمريكية
والخطر لا يكمن فقط في قطع المياه بصورة مباشرة. أحيانًا يكفي أن تشعر دولة ما بأنها لا تملك السيطرة على موردها المائي كي تجد نفسها مضطرة إلى تعديل سياساتها، أو الدخول في تفاوض غير متكافئ، أو تقديم تنازلات في ملفات أُخرى. هُنا تحديدًا يصبح الماء أكثر من مورد طبيعي، يصبح أداةَ نفوذ وسيطرة وابتزاز.
والأمرُ نفسه ينطبق على الغذاء، فالدولةُ التي لا تنتج ما يكفي من غذائها، وتضطر إلى استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها، تصبح أكثر تعرضًا للصدمات الخارجية. وقد لا تكون المشكلة في نقص الغذاء عالميًّا، بل في قدرة الدولة على الوصول إليه وشرائه ونقله.
إنَّ الحروب، والأزمات السياسية، وإغلاق طرق التجارة، وارتفاع أسعار الطاقة، وتراجع الإنتاج الزراعي، كلها عوامل يمكن أن تُحوِّل الغذاء من سلعة متاحة إلى ورقة ضغط.
وهُنا تظهر خطورة الاعتماد المفرط على الخارج، فإذا كانت دولة ما تستورد معظم قمحها أو زيتها أو أعلافها من عدد محدود من الدول، فإنَّ أيَّة أزمة سياسية أو اقتصادية قد تتحول بسرعة إلى أزمة داخلية تمسُّ حياة الإنسان مباشرة. لهذا فإنَّ الأمن الغذائي لا يعني فقط أن تكون رفوف المتاجر مليئة بالطعام، بل أن تكون الدولة قادرة على ضمان وصول الغذاء إلى شعبها حتى عندما تتغير الظروف مِن حولها. والتاريخُ الحديث مليء بالأمثلة التي تؤكد أن أسعار الغذاء ونقصه ليست شأنًا اقتصاديًّا محضًا.
والدولة التي تضمن غذاء شعبها في الظروف الطبيعية والصعبة، تمنح نفسها هامشًا أكبر من الاستقلال والقدرة على اتخاذ القرار.
كبرياء الألم بين أحمد شاملو ويانيس ريتسوس
أمَّا الدولة التي تستطيع جهة خارجية أن تضغط عليها بمجرد التأثير في وارداتها الغذائية، فهي تملك هامشًا أضيق في سياستها الخارجية. وأخطرُ الأسلحة ما لا يبدو سلاحًا.
تكمن خطورة سلاح الماء والغذاء في أنَّه لا يأتي دائمًا بصورة واضحة. لا نرى دبابة على الحدود عندما تتعطل شحنة قمح، ولا نسمع صوت انفجار عندما ينخفض منسوب نهر، ولا تبدو المفاوضات حول السدود أو الموانئ أو سلاسل الإمداد مثل معركة عسكرية. لكن نتائجها قد تصل إلى المكان نفسه: الضغط على الدولة، وإنهاك اقتصادها، وزيادة غضب مجتمعها، ودفعها إلى اتخاذ قرارات لم تكن لتتخذها في ظروف أكثر استقلالًا.
وهذا ما يجعل الأمن المائي والغذائي جزءًا من الأمن الوطني بمعناه الواسع، وليس مجرد ملف خدمي.
ليس المطلوب أن تتحول كل دولة إلى جزيرة مكتفية ذاتيًّا، هذا أمر غير واقعي، وهو مكلف وغير منطقي اقتصاديًّا. والتجارةُ الدولية جزء أساسي من حياة الدول، والاستيراد ليس ضعفًا في حد ذاته، لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يتحول الاعتماد إلى هشاشة، وتصبح الدولة غير قادرة على تحمل توقف مصدر واحد، أو ارتفاع سعر سلعة أساسية، أو اضطراب طريق تجاري.
القوةُ هُنا ليست في إنتاج كل شيء، وإنما في امتلاك البدائل، أن يوجد أكثر من مورد، وأكثر من طريق، ومخزون إستراتيجي، وقدرة محلية معقولة على الإنتاج، وشبكات نقل فعالة، ومؤسسات قادرة على التحرك سريعًا عند الأزمات، هذه هي عناصر الأمن الحقيقي. والدول التي تنتظر وقوع الأزمة حتى تبدأ التفكير في أمنها المائي والغذائي تكون قد تأخرت كثيرًا.
والأهم من ذلك أن الأمن المائي والغذائي لا يتحقق بالمشاريع الضخمة وحدها. يبدأ أيضًا من إدارة أفضل للموارد، ومواجهة الهدر والفساد وسوء التخطيط، واستخدام التكنولوجيا بطريقة تخدم الواقع، وليس بطريقة تتحول إلى شعار.
يبدأ الاستقلال من أبسط الأشياء. قد تبدو السياسة الدولية أحيانًا وكأنها لعبة كبرى بين الدول والقوى العسكرية والاقتصادية، لكن جوهر هذه اللعبة يمكن أن يصل في النهاية إلى أشياء بسيطة جدًّا: كوب ماء، رغيف خبز، محصول قمح، شاحنة تستطيع الوصول إلى الميناء. والدول التي تؤمِّن هذه الأشياء لمواطنيها لا تؤمِّن حياتهم فقط، إنها تحمي قرارها السياسي.
في عالَم يتغير فيه المناخ، وتزداد فيه الضغوط على الموارد، وتتكرر فيه الحروب والأزمات، ستصبح المنافسة على الماء والغذاء أكثر حدة، وستصبح الدول التي أحسنت إدارة مواردها وتنويع مصادرها أكثر قدرة على الصمود.
قد لا يكون أخطر سؤال في السياسة الدولية هو: من يملك أقوى جيش؟. إنَّ السؤال الأكثر إلحاحًا: من يستطيع أن يضمن لشعبه الماء والغذاء عندما تتوقف الأشياء عن السير كما اعتاد الناس؟.
اقرأ ايضاً
سحر الإسكندرية بين إبراهيم عبد المجيد ولورانس داريل


