مصطفى التوني يكتب: “ما في معلوم” حين تمنحك “قلة المعرفة” راحة البال!
يعتقد أغلب المغتربين خاصة في دول الخليج أن مقولة “ما في معلوم” الدارجة على ألسنة العمالة من الهنود والبنجلاديش مقولة عابرة يطلقها العمالة هناك للخروج من المواقف التي يتعرضون لها؛ لكن اذا تعمقت في معناه وجدت ان لها بعد آخر فهي تُعد بمثابة آلية للدفاع النفسي ورسم الحدود مع البشر.
الشاهد انه وبعد مرور ما يقرب من عشرين عام وتوالي تجارب الحياة وتقلباتها، أيقنتُ أخيراً أن العامل الهندي “حارس” كان يملك حكمة عميقة تفوق كل توقعاتي.
في عام 2008، أثناء فترة عملي بالمملكة العربية السعودية، كنتُ مكلفاً بإدارة أحد الأسواق التابعة للمؤسسة، وكان من بين العمالة عامل هندي اسمه “حارس” كان يكرر دائماً مقولة شهيرة يتداولها بنو جلدته هناك: “ما في معلوم”.
لفت انتباهي تكراره لهذه العبارة لكل عميل أو مدير يسأله عن منتج أو يطلب منه خدمة خارج نطاق عمله؛ استدعيته يوماً بدافع الفضول، ودار بيننا هذا الحوار بلهجته البسيطة:
– “حارس، أنت ليش كلام ما في معلوم مع أي عميل يسأل عن شيء؟”
أجابني بثقة لخصت سنوات من الخبرة:
– “يا مدير، أي نفر يبغى شيء من سوق هو في معلوم مكانه. إذا أنا كلام في معلوم، بعدين هو كلام جيب، بعدين ما في يعجب، بعدين سوى مشكلة سوى سوى.. أنا كلام ما في معلوم، بعدين هو جيب، بعدين ما في مشكلة يجي.”
كان حارس يرى -بحسّه العملي- أن تقديم خدمة تطوعية خارج اختصاصه يترتب عليها مشكلات هو فى غنى عنها لأنه يرى ان العملاء والمديرون إذا اعتادوا على فضله، سيحولون هذا الفضل سريعاً إلى “واجب إجباري”. وإن قصر في أدائه يوماً أو لم يعجبهم، ستشتعل المشاكل. لذا، كان يلوذ بـ “لا أعلم” نأياً بنفسه عن الصدام.
في البداية، لم أقتنع بوجهة نظره، ورفضتُ هذا المنطق الذي يعتنقه أغلب العمالة الوافدة لكن مع مرور السنوات والاحتكاك المباشر بطبائع البشر، أدركتُ كم كنتُ مخطئاً. هناك فئة من الناس -بالفعل- لا يصلح معهم سوى أن تقول لهم: “معنديش فكرة”، حتى وإن كنت تملك الإجابة كاملة.
تكمن المشكلة في صنفين من البشر:
– المصابون بمرض الشك: الذين يظنون أن خلف كل خدمة مجانية تقدمها لهم مصلحة خفية أو نية سيئة.
– الاتكاليون: الذين يحولون كرمك ومبادرتك – بمرور الوقت – إلى فرض دائم يضاف تلقائياً إلى مسؤولياتك دون وجه حق.
يعاني الكثير من الناس الذين اعتادوا على تقديم المساعدات لكل الناس دون تمييز من نتاج التعامل مع هذين الصنفين؛ حيث يجدون أنفسهم في نهاية المطاف مستنزفين نفسياً وجسدياً، ومطالبين بالمزيد دون كلمة شكر واحدة؛ومن هنا، تبرز مقولة “حارس” البسيطة كونها درعاً واقياً.
إن “ما في معلوم” ليست جهلاً، بل هي تجاهل ذكي، وإغلاق مبكر لباب قد يأتي منه ريح المشاكل والاتكالية.
لقد تعلمتُ متأخراً أن قلة المعرفة -أو التظاهر بها أحياناً- هي أعلى درجات الحكمة و الذكاء الاجتماعي التي تمنحك راحة البال، وتحميك من أن تصبح ضحية لجميلٍ يتحول مع الوقت إلى قيد وهى وسيلة مساعدة لراحتك النفسية ورسم الحدود مع البشر وحماية وقتك وطاقتك من الاستنزاف.
مش كده ولا ايه!!
اقرأ للكاتب
مصطفى التوني يكتب: حوادث الهجرة غير الشرعية متي تنتهي؟

