مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «1-4»
قالت شهرزاد: تحل علينا قريبا فى الفترة من 6-12 أكتوبر 2026، أحداث إعلان جوائز نوبل لهذا العام، وهي لحظات تمنح البشرية كل عام طاقة دافعة عظيمة. من أجل ذلك ستكون أحاديثى عن العلم خلال تلك الفترة، سأبدؤها بالسيرة العطرة لواحد من أعظم علماء التاريخ هو البيروني، والملقب «بالحكيم برهان الحق العالم البارع الأكمل الأفضل مهندس الآفاق نادرة الفلك أعجوبة العالم محمد بن أحمد المكنى بأبى الريحان البيرونى الخوارزمي».
أطلق عليه روزن، بأنه لا يوجد له مثيل فى الأدب العلمى القديم أو الوسيط فى الشرق أو فى الغرب. أود فى البداية أن أذكر حدثا ذا صلة بالبيرونى وعلمه.
حدث بمناسبة احتفالها بالذكرى الخمسين لإنشائها، أن نشرت جمعية المناجم والمعادن والمواد الأمريكية فى عدد فبراير 2007، مقالا مهما عن أعظم 50 لحظة فى تاريخ المواد لتوضح من خلالها وظيفة ودور وعلوم وهندسة المواد فى التاريخ وفى التقدم البشري.
كان هذا المقال ثمرة مجهودات ضخمة قامت بها الجمعية وذلك بدعوة 650 عالما من أعضائها من مختلف دول العالم للإدلاء بآرائهم ثم إجراء عملية تصفية لاختيار أهم 100 لحظة تاريخية للمواد، ثم إجراء عملية تصويت إلكترونية أخرى لجعلها 50 لحظة فقط، وبناء عليه قام بالتصويت الإلكترونى 900 عالم متخصص لتحقيق ذلك.
كان من بين المدعوين عالم مصر القدير الدكتور سعد الراجحي، الأستاذ بهندسة القاهرة والذى أبدى كثيرا من الاعتراض لخلو القائمة من أى عالم إسلامى من الذين كانوا أحق بالتكريم فى تلك القائمة. على سبيل المثال كان هناك وجود اللحظة رقم 30 والتى نالها كتاب دى رى ميتاليكا لمؤلفه الألمانى جورجيوس أجريكولا المنشور باللغة اللاتينية عام 1556م.
كان البيرونى عالم الإسلام العظيم أحق بهذا التشريف وبهذه اللحظة منه فى كتابه الجماهر فى معرفة الجواهر، والذى هو بحق أول رسالة فى علوم المواد والذى كتبه قبل أجريكولا بقرابة 600 عام، الذى جمع فيه ما قيل فى الجواهر والصخور والخامات والمعادن بما لا يوجد فى مؤلف آخر من قبله. لم يكن تفضيل جورجيوس أجريكولا حادثا منفردا وغير مسبوق فيما دأب عليه الغرب فى إهماله لمساهمات الحضارة الإسلامية للحضارة الإنسانية، والتى لا تخفى على عالم. سأراجع كلا من كتاب البيرونى وكتاب أجريكولا ونترك الأمر للجميع ليستنتجوا بأنفسهم الحقيقة مثلما فعلت الجمعية الأمريكية للمعادن والمواد، محاولة منا لتصحيح غبن ومظالم ما زالت تحدث فى زمننا لتراثنا العلمى العظيم.
ولد البيرونى فى 4 سبتمبر سنة 973 فى مدينة كآت عاصمة أوزبكستان ومات عام 1048. وصفه جورج سارتون مؤلف كتاب تاريخ العلم بقوله: «كان باحثا فيلسوفا، رياضيا وجغرافيا ومن أصحاب الثقافة الواسعة، بل من أعظم عظماء الإسلام ومن أكابر علماء الدنيا»، أى المدة من منتصف القرن العاشر إلى منتصف القرن الحادى عشر بـ«عصر البيروني».
ربما يكون تشخيص الدكتور سيد حسين نصر فى كتابه «العلم والحضارة فى الإسلام», هو الأشمل والأهم: «يعتبره البعض أعظم عالم فى تاريخ الإسلام. له مؤلفات لا تحصى ولا تعد وهى معروفة. كان باحثا وعالما. له مؤلفات أصيلة فى الفلك والفيزياء والجغرافيا والمعادن وفى كل فروع الرياضيات. كان حظه السيئ هو عدم ترجمة أعماله إلى اللغة اللاتينية».
له أكثر من 180 كتابا ومقالة ورسالة منها: كتاب مفتاح علم الهيئة، وكتاب الإرشاد فى أحكام النجوم وكتاب الجماهر فى معرفة الجواهر، وكتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية وكتاب تاريخ الهند وكتاب مقاليد علم الهيئة وما يحدث فى بسيط الكرة، وكتاب تحقيق ما للهند مقبولة فى العقل أو مرذولة، وكتاب القانون المسعودى فى الهيئة والنجوم، وكتاب استيعاب الوجوه الممكنة فى صفة الإسطرلاب، وكتاب التطبيق إلى تحقيق حركة الشمس، وكتاب جمع الطرق السائرة فى معرفة أوتار الدائرة، وكتاب فى تحقيق منازل القمر، وكتاب الصيدلة فى الطب، وكتاب تحديد نهايات الأماكن، لتصحيح مسافات المساكن، وكتاب تكميل صناعة التسطيح، وغير هذا من الكتب فى الطب والفلك والرياضيات.
ينفرد كتابه الجماهر فى معرفة الجواهر بكونه الوحيد ربما فى التاريخ بأنه ينفرد بكل من الوصف الأدبى والوصف العلمي، حيث يتألف من جزءين.
الأول أدبي، يختص بكل ما قيل فى الجواهر والفلزات من أدب وشعر.
والثانى يرتب المواد إلى أحجار كريمة منها الياقوت واللؤلؤ والزمرد والفيروز، كما أنه يقسم الفلزات إلى زئبق وذهب وفضة ونحاس وحديد وأسرب وخارصين ونحاس أبيض وشبه ونحاس مسبوك ونحاس غير مسبوك.
كتب فى المقدمة: «الحمد لله رب العالمين الذى لما توحد بالأزل والأبد وتفرد بالدوام والسرمد جعل البقاء فى الدنيا علة الفناء والسلامة والصحة داعية الآفات والأدواء، ثم قسم الأرزاق ووفق الآجال وصير سببها الإشاحة فى الأعمال. كما سخر الشمس والقمر دائبين على رفع الماء إلى السحاب حتى إذا أقلت الماء الثقال ساقتها الرياح الى ميت التراب وأنزلت إلى الأرض ماء مباركا فأخرجت به خيرا متداركا متاعا للأنام والأنعام إلى أن يعود بجريه إلى البحار والاستقرار.
ويعلم ما يلج فى الأرض ويخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها، وقد أحاط بكل شيء علما وأمضى فيه بقدرته وحكمته حكما وصلى الله على محمد من كشف به الضلالة، وختم بإرساله الرسالة وعلى من اهتدى بهديه واعتز بعزه من آله وأهل بيته والمنتجين من أصحابه».
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: حكاية الحكيم أبو الغار «2 ــ 2»

