مصطفى جودة يكتب: حكاية الطبيب الشاعر الذي فاز بنوبل (2-2)

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

 قالت شهرزاد: استحق كارل دايسروث الفوز بجدارة بجائزة نوبل فى الطب لعام 2026، واليوم سأتحدث عن قدراته الأدبية والفلسفية التى أودعها فى كتابه: إسقاطات: قصة عن المشاعر الإنسانية، راندوم هوس، نيويورك، 2021.

من الواضح أنه متأثر بكتابات جيمس جويس، صاحب الروايتين الشهيرتين فى الأدب الإنجليزي: يوليسيس وفينجن ويك.

 يكتب بنفس أسلوبه الصعب دون صعوبة من جانبه، ويستخدم اقتباسا من فينجن ويك، كتبه فى صدر الفصل التمهيدي: «بعد الصوت، الضوء والحرارة، الذاكرة، الإرادة والفهم».

وفى الفصل الختامى يستخدم فى بدايته اقتباسا آخر من نفس الرواية: «غرفتى الزرقاء العظيمة، الهواء هادئ جدا، نادرا ما يشبه السحابة. فى سلام وصمت. كان بإمكانى البقاء هناك دائما. هناك شيء يخذلنا. أولا نشعر بذلك، ثم نسقط. دعها تمطر الآن إذا أرادت بلطف أو بقوة كما تشاء.

 على أى حال دعها تمطر لأن وقتى قد حان وأوراقى انجرفت عنى. لكن المرء لا يزال متمسكا به. سأتحمل المسئولية على نفسي». قد تكون تلك الصعوبة اللغوية منهكة بالنسبة للقارئ ذى البعد الواحد الذى يبحث عن شرح علمى مباشر، وليس لديه ميل الى التأمل أو اللغة التى تبدو غامضة، غير أن دايسروث لا يريد أن يحيد عن الجمع بين الأمانة العلمية والتعاطف الإنسانى ولا يداهن أبدا فى تفسيراته مثله مثل جيمس جويس الذى قال مرة مشخصا روايته يوليسيس: «لقد وضعت فيها من الألغاز والأحاجى ما سيجعل الأساتذة مشغولين لقرون فى الجدل حول ما قصدته، وتلك هى الطريقة الوحيدة لضمان الخلود».

مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «1-4»

 هذا ما يريده المؤلف بالضبط فى كتابه. إنه ينشد الخلود مثل جيمس جويس وأنه تمكن من فعل ذلك بيسر وسهولة. لأنه كما قال فى الفصل التمهيدى للكتاب: «فى صغرى كنت أقضى كل أوقات فراغى فى قراءة القصص والشعر، وعندما التحقت بالجامعة كان مقرر الكتابة الإبداعية هو أول مقرر قمت بتسجيله، وعندما عملت أستاذا تعلمت من الحديث مع طلابى، كيف يمكن التعلم من الخلية الواحدة ومن البنيان المتناهى الكبر، وأدركت أن فهم ذلك يمكن المرء من حل أعظم ألغاز علم البيولوجى.

 يضيف: «فى نهاية العام الدراسى الأول اخترت التحليل النفسى كتخصص، وبعد أربعة أعوام أخرى بنيت معملا فى قسم الهندسة الحيوية فى قلب وادى السيليكون عندما كنت طالبا فى كلية الطب فى ستانفورد. أدركت من خلال التأمل فى دراستى، أنه رغم تعقد المخ البشرى، فهو لا يعدو غير كونه مجموعة خلايا، مثله مثل أى عضو فى الجسم البشري».

كل فصل من فصول الكتاب يبدأ بلقاء إنسانى يقود طرح سؤال علمي: ما الذى يحدث فى الخلايا والدوائر العصبية حين يشعر الإنسان بما يشعر به.

مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «2 ــ 4»

 يروى لنا المؤلف مشهدا تسبب فى تغيير مسار حياته: يقول: «فى اليوم الأول من التدريب السريرى له، اقتحم مريض منطقة التمريض ووجه له فيضا من الخوف والغضب، وأن ما أدهشه لم يكن الانفعال وحده، بل لغة المريض. كانت كلماته مبتكرة وجديدة ولها قواعدها وجمالياتها الخاصة بها وأنها ذكرته بكلمات جيمس جويس فى رواية يوليسيس، وأنه فى تلك اللحظة رأى العلم والفن كفكرة واحدة لا خطين متوازيين، ومن هنا تبلور سؤاله الأكبر: ما هى المشاعر من الناحية المادية على مستوى الخلايا وروابطها، وقد عده حينها بأعمق ألغاز الكون. الفصل الأول تمهيد، والثانى بعنوان مخزن الدموع، والثالث بعنوان الانكسار الأول، الفصل الرابع بعنوان القدرة على الاحتمال، والخامس بعنوان الجلد المكسور، والسادس بعنوان قفص فراداى، والسابع بعنوان الاكتمال، والثامن بعنوان مورو، وأخيرا الخاتمة.

مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «3-4»

 وتشمل الحالات المرضية التى تتناولها تلك الفصول السبعة: الهوس والبارانويا والخرف والتوحد، واضطراب الشخصية، واضطرابات الأكل، والاكتئاب. يقدم لنا الكتاب من خلال تلك الفصول جولة فى أعماق العقل البشرى، توضح الطبيعة البيولوجية لعوالمنا الداخلية وعواطفنا، من خلال سرده لتلك القصص المؤلمة. كل من قراءة الكتاب وفهم ما جاء فيه والإلمام بأبحاثه التى مكنته من الفوز بجائزة نوبل وأنه أحد المؤسسين لعلم البصريات الوراثية، الذى يستخدم الضوء للمساعدة فى فهم عمل المخ، يوضح لنا أن دايسروث شديد الالمام بمعرفة الدوائر الداخلية للمخ، يصف خلاياه العصبية بلغة شعرية علمية جديدة: «هذه الخلايا الجميلة والتى تزيد على 80 بليون خلية، متخصصة فى توصيل الكهرباء، كل واحدة منها تؤدى عشرات الآلاف الكيميائية بتواصلها مع الخلايا الأخرى. إنه كتاب علمى وأدبى وفلسفى وكأنه يوحد بين جميع القوى المؤثرة والشارحة للمخ البشرى والعواطف من خلال نظرية مشابهة لنظرية التماثل الفائق فى الفيزياء والتى توحد جميع القوى الأساسية المؤثرة فى الكون.

مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «4 ــ 4»

هناك تعليقات واقتباسات نقدية عن الكتاب تلقى مزيدا من الضوء عن عظمته، منها ما قالته صحيفة وول ستريت: «دايسروث يدرك حدود العلم والطب، ويقدر القيمة العظيمة للصلة الإنسانية فى أبسط صورها وأنها فى أصعب لحظات الحياة قد تكون كل شيء». وقالت الجارديان: «إنه ينجح فى المهمة الصعبة وهى أنه يحرك مشاعر القارئ ويدير عقله فى آن واحد».

gate.ahram

اقرأ للكاتب

 مصطفى جودة يكتب: حكاية الطبيب الشاعر الذي فاز بنوبل «1-2»

شكرا للتعليق