مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «4 ــ 4

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

قالت شهرزاد، بعد وصفى لما ورد فى كتاب دى رى ميتاليكا، المصنف فى الحضارة الغربية أنه أول رسالة فى المعادن والمناجم، لابد من مقارنته بكتاب الجماهر فى معرفة الجواهر للبيرونى، السابق له بستمائة سنة والذى لم يحظ بذكر فى أهم لحظات المواد التى أشرت إليها فى المقالة الأولى، رغم أنه أكثر تمثيلا للمواد وعلومها وليس المعادن فقط، وبالتالى فهو يوصف بأنه أول رسالة فى علوم المواد، وأنه يمثل ثورة حقيقية فى مجال المواد.

 فى المقالة الأولى وضحت ما ذكره البيرونى عن المواد غير المعدنية والمواد المعدنية المتاحة فى زمنه والأزمنة السابقة له. يقول: «نفع الفلزية اثنين: ذهب وفضة للأثمان ومنهما يبتغى الحلية للزينة، ونحاس وحديد وما بعدهما فمتاع دافع ونافع».

 بدأ بذكر الزئبق فقال عنه: «ذكر الطبيعيون أن الكبريت أبو الأجساد الذائبة والزئبق أمها تعيدها النار فى الإذابة زئبقا رجراجا، فهو أولى بالتقديم فى الذكر. يقول عن خواصه: «الزئبق يفر عن النار إلا أن يجعل فى مغرفة حديد محماة فإنه يستقر فيها مدة وذلك لأن الزئبق سيال كالماء فالنار تبخره بتبديد الأجزاء وإذا اجتمعت وانضمت عادت زئبقا، كعود المبخر من الماء ماء عند مزايلة الحرارة إياه. وجميع الأحجار يطفو على وجه الزئبق ما خلا الذهب فإنه يرسب فيه بفضل الثقل وقد امتحنا ذلك بشرائط فأسفر ذلك عن أنه من خصوصية الثقل فيه».

بفحص هذه السطور نجد البيرونى شخص كثيرا من الخواص الطبيعية للزئبق مثلما يشخص عالم فى زمننا هذا. تحدث عن كثافته العالية التى تجعل الصخور والأحجار ومختلف المواد تطفو على سطحه كما تحدث عن قوة الشد السطحى له، «فهو لا يرطب الحديد والزجاج والخشب»، لأن قوة التماسك لهذه المواد أكبر من قوة الالتصاق السطحية وبالتالى فإن الزئبق لا يلتصق بتلك المواد الثلاث. نستنتج من ذلك أن البيرونى هو أول من تحدث عن الشد السطحى، وليست الألمانية أجناس لويس ولهيلمان التى جاءت بعد البيرونى بقرابة تسعمائة عام.

تحدث بعد ذلك عن الذهب وعن تسميته قال: «سمى بالذهب لأنه سريع الذهاب بطيء الإياب الى الأصحاب وقيل لأن من رآه فى المعدن بهت له ويكاد عقله يذهب، والعسجد هو الذهب ومن أسمائه الزخرف». وقد يوجد الذهب متحدا مع الحجر كأنه مسبوك معه فاحتيج الى دقه والطواحين تسحقه إلا أن دقه أفضل وأبلغ فى تجويده.

 وإذا اندق جوهر الذهب وانطحن وغسل عن حجارته وجمع الذهب بالزئبق ثم عصر فى قطعة جلد حتى يخرج الذهب من مسامه ويطير ما يبقى منه فيسمى ذهبا زئبقيا. يشرح فى هذه الكلمات عملية الترشيح التى تستخدم للحصول على الذهب كما يتحدث أيضا على عملية الدمج مع الزئبق، وكلتا العمليتين من طرق العمليات الموحدة اللتين يستخدمهما مهندس الفلزات. ونجد هنا أن ما عينه من نسبة الوزن النوعى بين الحديد والذهب يساوى بالضبط النسبة الحديثة المعينة بطرق حديثة.

ذكر الفضة والنحاس بعد ذلك ثم تحدث عن الحديد فقال:» الحديد معدنه ينقسم الى صنفين أحدهما لين يسمى الزماهن ويلقب بالأنوثة، والآخر يسمى الشبارقان (الذكورة)، وصهرهما معا ينتج حديدا يحتوى على نسبة كربون تتراوح بين نصف الى 1.5%. وهو الحديد الذى كانت تصنع منه السيوف. لأنه حسب وصف البيرونى يمكن تفسير أن حديد الزماهن هو حديد طرى به نسبة قليلة من الكربون وحديد الشبارقان هو الصلب الذى يحتوى على نسبة كربون عالية.

 ولما كانت نسبة الكربون هى المحددة للصلابة والصلادة فإن ما فعله الكندى هو تحضير صلب مناسب للإيفاء بالحصول على نسبة معقولة من الصلابة بحيث لا تسبب الهشاشة ولا تقلل الصلادة. من ذلك الصلب كانت تصنع السيوف التى لا بد أن تحوى مزيجا من الخاصتين: صلابة كافية تمنع السيف أن يكون طريا وصلادة حتى لا يكون هشا. يقول البيرونى: «من الشبارقان سيوف الروم والروس والصقالبة»، ويصف عملية المعالجة الحرارية المهمة للسيوف: «تقطع الحديدة وتحمى حتى تصير كالجمرة وتلقى للنعامة ليذهب عنها الخبث فى بطنها وتذرفها صافية صالحة يطبع منها السيوف حينئذ ثم تداس بالمداوس وتجلى بالصقل، وذكر من شاهد ابتلاع النعام الحديد المحمى أنه لا يمكث فى بطونها وإنما تذرفه كما هو لوقته».

هذه العملية الغريبة هى نوع من المعالجة الحرارية التى لا بد أن تجرى للصلب لتقويته. لم تكن تلك العملية معروفة فى العصور الوسطى ولم تفهم أسسها العلمية إلا فى منتصف الأربعينيات من القرن العشرين.

ما ذكره البيرونى هو عملية التسخين ثم عملية التبريد فى بطن النعامة التى تشبه أحواض الماء المحتوى على الملح. تحدث ايضا عن معدن الأسرب او الرصاص ثم معدن الخراصين أو الزنك. ذكر بعض السبائك مثل الشبه او النحاس الأصفر وهى البرونز.

وذكر طريقة تصنيعها بقوله: «الشبه هو النحاس الأصفر بإطعام التوتيا». أى إطعام الزنك، وتعنى أنهم كانوا يسبكون النحاس مع الزنك فينتج الشبه أو النحاس الأصفر أو البرنز. وسمى الشبه لكونه يشبه الذهب فى لونه.

 وأضاف: «الشبه لا يحترق بالكبريت كما يحترق سائر الفلزات وإذا مزج بالذهب أفسده وفتته وما اختلط فيه من الزنك زائد فيه غير متحد به ولا مستحيل عليه فالنار فى كل إذابة تنقصه عنه وتنقصه».

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «3-4»

شكرا للتعليق