مصطفى جودة يكتب: حكاية الطبيب الشاعر الذي فاز بنوبل «1-2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
قالت شهرزاد: عقب الإعلان عن منح جائزة نوبل للطب هذا العام، حدثت أمور نبيلة، منحت الدنيا كلها لحظات سعادة غامرة وأملا منشودا، نتيجة عظمة الأبحاث التى أدت إليها والآمال المعقودة على تطبيقاتها للبشرية جمعاء، ونتيجة ردود الفعل الفطرى والتلقائى لكارل دايسروث الأمريكى وأسرته، وأحد الفائزين بها.
كل من شاهد ردود فعله مع أسرته، وعلم عن عبقريته ونبوغه وتاريخه، انتابه إحساس كأنه هو الفائز بالجائزة العظيمة. فى فجر يوم الإثنين، الخامس من أكتوبر 2026، كان كارل دايسروث، أستاذ الهندسة الحيوية والطب النفسى والعلوم السلوكية فى جامعة ستانفورد الأمريكية والباحث الرائد فى مجال البصريات الوراثية بالجامعة ساهرا يراجع أوراقا بحثية ويتواصل مع تلاميذه.
أحس بأن لحظة النوم قد حانت، وإذا بالتليفون يرن من استكهولم يزف إليه البشرى: لقد فزت بجائزة نوبل فى الطب لعام 2026، مع زميلين ألمانيين هما بيتر هيجمان وجورج ناجل.
عندما انتهت المكالمة، كان له حديث آخر مع مندوب وكالة أسوشيتد برس فأبلغه بأنه عندما جاءته البشرى أحس كأنه فقد القدرة على الكلام، وهو الذى قضى عمره يبحث فى كيف تتكون الكلمات والمشاعر داخل المخ، تخونه الكلمات فى أعظم لحظات حياته. بالنسبة للجائزة، ذكرت أكاديمية نوبل فى بيان لها عن حيثيات منحها: «أنها منحت جائزة نوبل فى الطب لعام 2026، لعلم البصريات الوراثية، وهو أسلوب يتيح لنا فهم كيفية تشكيل الخلايا العصبية للذكريات والمشاعر والسلوكيات فى المخ الحى.
اكتشف بيتر هيجمان وجورج ناجل بروتينا مميزا يسمى قناة رودوبسين فى طحلب وحيد الخلية، وحول كارل دايسروث هذا البروتين الى مفتاح ضوئى للخلايا العصبية. وبهذا يكون الفائزون بجائزة نوبل لهذا العام هم الذين وضعوا حجر الأساس لعصر جديد فى علم الأعصاب».
عندما طلب من دايسروث أن يصف عمله ببساطة، قال: «يمكننا استخدام الضوء لتشغيل أو إيقاف خلايا المخ، وذلك باستخدام جزيئات صغيرة نحصل عليها من كائنات وحيدة الخلية. نفعل ذلك بأخذ جزىء من الطحالب يمكننى من تشغيل، أو إيقاف الخلايا لتحفيزها، أو تشغيلها، بضغطة زر ليزر.
هذا ما نفعله فى علم البصريات الوراثية: نحن نلمس المخ». عندها قال الملك شهريار: لم تذكرى لنا ما هى الفوائد المرجوة من تلك الأبحاث؟ أجابت شهرزاد: رغم أن الأمر فى بداياته، فإنه من المتوقع أنها ستكون، وأنها ستحدث ثورة علمية ستمكنا من فهم المخ، كما أنها ستمنحنا طرقا لعلاجه مباشرة.
إضافة الى ذلك ما تم من حالات ناجحة حتى الآن باستخدام تقنيات مبنية على أبحاث الجائزة، منها أن الأطباء سيتمكنون من استعادة البصر للذين يعانون مرض التهاب الشبكية التى فقدت بعض الخلايا المستقبلة للضوء، بينما تبقى خلايا أخرى فى الشبكية سليمة. متوقع أن تعيد نتائج أبحاث الجائزة من إعادة العلاج الجينى وذلك ببرمجة هذه الخلايا لتصبح حساسة للضوء من خلال نظارات تطلق نبضات ضوئية وهو ما فعله فريق فرنسى انجليزى وتمكنوا من الاستعادة الجزئية للبصر لمريض وهو أول حالة من استخدامات البصريات الوراثية. متوقع أيضا أن الأطباء سيتمكنون من تحفيز العصب السمعى باستخدام الضوء بدلا من التحفيز الكهربائى.
أيضا متوقع أن يكون هناك المزيد من فهم المخ، وبالتالى سيكون هناك فهم أكثر للأمراض النفسية والعصبية وعلاجها، مثل مرض باركنسون والاكتئاب والصرع والألم المزمن واضطرابات النوم. قاطعها الملك قائلا: لم تذكرى لنا ما هى اللحظات التى السعيدة منحتها لنا تلك الجائزة؟
أجابت شهرزاد: خلال الاحتفالات التى حدثت مباشرة فى منزل الفائز، وكثرة المهنئين من الجامعة، وفى تمام السادسة والنصف صباحا، طلب من الجميع استراحة لمدة ساعة. لم يكن مرهقا أو متعبا، ولكن أطفاله سيستيقظون وعليه أن يجهز لهم وجبات الغداء التى سيأخذونها للمدرسة. عندما استيقظت ابنتاه، كان هناك مقطع نشرته جامعة ستانفورد على الانستجرام لا تتجاوز مدته دقائق معدودة، سرعان ما طاف العالم كله.
فيه يقف الأب أمام ابنتيه الصغيرتين وخلفه زوجته، ويقول لهما بنبرة هادئة: «تلقيت اتصالا هذا الصباح بأنى فزت بجائزة نوبل. عندها وبتلقائية شديدة قفزت الصغيرتين الى ذراعيه صارختين، وهما ترددان صيحات «يا إلهى»، وتسلقته إحداهما وطوقت خصره بساقيها، وكأنها تتشبث بالفرح نفسه».
ثم ينتقل المقطع الى الابن المراهق، وكان فى ملابس نومه. يكرر الأب الجملة نفسها وبالبساطة نفسها. ذهل الفتى وظل يردد ماذا؟! ماذا! يا إلهى، ماذا؟! ثم يرتمى فى حضن أبيه مثلما فعلت اختاه، ويتبادلان ضربات الكفوف، وقبضات النصر، فى مشهد يدل على أن الأب يعامل ابنه المراهق كصديق، وأنه يعرف لغة التعامل معه. لم يتعامل مع أطفاله بوصفهم جمهورا لانتصاره، بل بوصفهم شركاء فيه. لم يلق عليهم خطابا، بل قدم لهم الخبر بسعادة وحب وتلقائية، وكأنه يقدم لهم الإفطار.
كانت هذه اللحظات من منزل الفائز بنوبل مصدر سعادة وفرح لكل من شاهدها، وكأن الجائزة تخصه وكأن الأطفال أطفاله.
ولأن الفرح معد، فرحت البشرية كلها معه، ونسيت الحروب والعنصرية وغيرهما من الموبقات. لحظات حقيقية وكأنها موعظة: إننا من نفس واحدة. من أجل علمها وأثرها ولحظاتها الفريدة، كانت جائزة نوبل للطب واحدة من أعظم الإنجازات فى التاريخ ومصدر سعادة للجميع.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: حكاية البيرونى وجورجيوس أجريكولا «4 ــ 4

