مصطفى جودة يكتب: حكاية أحلام نيتانياهو «1ــ 2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
ولما كانت الليلة الحادية عشرة بعد الألف، قالت شهر زاد: بلغني أيها الملك السعيد، ذو الرأي الرشيد، أن السيد نتانياهو يشعر هذه الأيام بأن أحلامه تتحقق، وذلك بعد إقناعه الولايات المتحدة الأمريكية للانضمام له لضرب إيران والقضاء على مقدراتها التي جعلها الله لها قياما، وتحطيم جيشها وبرنامجها النووى، وتحجيم سطوتها فى الشرق الأوسط، وجعلها دولة فاشلة، لا تملك من نفسها شيئا، إضافة إلى حلم تغيير النظام الإيراني وتغير الشرق الأوسط كله لمصلحة إسرائيل، كما يصرح فى كل مناسبة بأن هذا هو هدفه الاسمي.
بدأ الأمر بمحاولات نشر الفوضى من خلال مظاهرات عارمة مدعومة فى إيران، ومن خلال عملاء مجندين مندسين، كدلالة على أن الشعب الإيرانى غير راض وأنه قد ضاق ذرعا بذلك النظام، ثم تبع ذلك خروج السفير الأمريكى فى إسرائيل فى المقابلة الشهيرة بينه وبين الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، والتى تحدث خلالها السفير عن ترحيبه بفكرة إسرائيل الكبرى وأنها ستكون شيئا طيبا على حد قوله.
هنا قاطعها الملك قائلا: اشرحى لنا بالتفصيل، كيف وصلت الأمور لهذه الدرجة المخيفة، وكيف أدت الى تدخل أمريكا مباشرة فى الحرب الى جانب إسرائيل، أعطنا أدلة مادية موثقة عن مجهودات نيتانياهو تلك، وعلاقته مع الرؤساء الأمريكيين. أجابت شهرزاد: كانت البداية عندما تولى نتانياهو الحكم عام 1996، وبعدها على مدى ثلاثين عاما، ظل يكرر تحذيرا واحدا فى كل خطاباته بالداخل والخارج، بمساعدة الإعلام الغربي والساسة الغربيين ومنظمة ايباك والبليونيرات الصهاينة: أن إيران تمثل الخطر الأكبر لإسرائيل وللعالم كله، وأن هناك ضرورة ملحة لمنعها من امتلاك أسلحة نووية.
كانت هذه الفزاعة هى المحور الاستراتيجى المتمثل فى خطاباته المتكررة التى ألقاها فى الأمم المتحدة وفى أربعة خطابات على أعضاء مجلس الشيوخ.
لكن تلك التحذيرات التى بدأت منذ 1996، كانت مجرد تحذيرات سياسية ونقاشات وتحريضات، أصبحت الآن واقعا عسكريا ملموسا مع اندلاع المواجهة التى عرفت إعلاميا باسم حرب الأيام الاثنى عشر بين إسرائيل وأمريكا ضد إيران. سأسرد يامولاى باختصار ما حدث بين نيتانياهو مع خمسة رؤساء أمريكيين عبر تلك السنوات وحثهم على التدخل العسكرى ضد إيران.
كانت البداية فى عهد الرئيس كلينتون الذى كانت استراتيجيته تقوم على الضغط على إيران وعزلها دبلوماسيا وحصارها اقتصاديا وفرض عقوبات عليها، دون تبنى الحرب المباشرة ضدها كما يريد نتانياهو.
تولى جورج بوش الحكم خلفا لكلينتون، حدث هجوم 11 سبتمبر 2001، وهو الأمر الذى وجد فيه نتانياهو الفرصة الذهبية لتحقيق استراتيجيته بخصوص ضرب إيران والعراق، وخصوصا بعد خطاب جورج بوش بتاريخ 29 يناير 2002، أمام الكونجرس، والذى وصف فيه إيران والعراق وكوريا الشمالية بدول محور الشر، قائلا: «دول مثل تلك وحلفائهم الإرهابيين يكونون محورا للشر».
كان هذا الخطاب نقطة تحول فى التعامل مع إيران.
رغم ذلك رفض الرئيس بوش ضرب إيران، رغم أنه ضرب العراق وورط أمريكا فى حرب كلفتها التريليونات من الدولارات وآلاف القتلى من بنيها، بناء على ادعاء باطل اسمه: أسلحة الدمار الشامل، صاغه المحافظون الجدد والمعروفون بولائهم للصهيونية.
عندما جاء الرئيس أوباما تصاعدت المواجهة بينه وبين نتانياهو خصوصا عقب الاتفاق النووى بين إدارته وإيران. أغضب ذلك الاتفاق نتانياهو، وقام بتصعيد الاختلاف بينه وبين أوباما فى خطابه أمام الكونجرس فى مارس 2015، ووصف الاتفاق بالصفقة السيئة، وأنها ستؤخر البرنامج النووى الإيرانى، ولكنها لن تنهيه، وأنها ستبقى على قدرات إيران النووية.
عندما جاء الرئيس ترامب عام 2016، تغيرت الأمور كثيرا، حيث أعلن الرئيس ترامب فى مايو 2018، انسحابه من الاتفاق النووى الذى وقعه أوباما، ووصفه بأنه: «واحد من أسوأ وأكثر الصفقات التى وقعتها الولايات المتحدة اختلالا، وأن الولايات المتحدة تريد ضمانا ألا يكون لإيران أى مسار الى السلاح النووى، وأن إيران تفاوضت خلالها بسوء نية».
خسر الرئيس ترامب انتخابه لمرة ثانية أمام الرئيس بايدن عام 2020، والذى كان يصف نفسه بأنه صهيونى، إلا أنه لم يحبذ المشاركة فى ضرب إيران بعد الهجوم على إسرائيل فى أبريل 2024، وأكد أن الولايات المتحدة لن تنزلق الى حرب إقليمية شاملة.
عندما فاز ترامب بالرئاسة مرة أخرى، قامت الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات جوية على ثلاثة مواقع نووية إيرانية، وكان ذلك اشتراكا صريحا من جانب الولايات المتحدة الى جانب إسرائيل، وهو الأمر الذى كان يريده نتانياهو ويحلم به ويسوق له، مثلما ذكر فى مقابلة له عام 2007 قارن بين إيران وألمانيا النازية، قال فيها إن الفرق بينهما هو أن ألمانيا النازية دخلت الحرب أولا ثم سعت الى تصنيع السلاح النووى، بينما تسعى إيران أولا الى امتلاك السلاح النووى قبل الدخول فى صراع عالمى، وأضاف أن إيران تمثل أخطر تهديد لوجود إسرائيل منذ استقلالها عام 1948.
بلغت حملته الدولية ضد البرنامج النووي الإيراني ذروتها عام 2012، فى خطاب شهير له على الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث عرض فيه رسما توضيحيا للقنبلة الذرية، وأضاف عقب ذلك أن إيران قد تصل الى القدرة على إنتاجها خلال أشهر معدودة إذا لم يتم وقف برنامجها النووى.
كان هذا الخطاب جزءا من حملة سياسية ترمى إلى إقناع المجتمع الدولى بأن الدبلوماسية وحدها غير كافية لوقف البرنامج النووى الإيرانى، وأنه لابد من الخيار العسكري، وهو الأمر الذى حققه نتانياهو فى نهاية المطاف.
gate.ahram
اقرأ للكاتب

