مصطفي التوني يكتب: فن الإدارة بين النظرية والتطبيق

كثيراً ما نسمع عن ذلك المصطلح الفضفاض” فن الإدارة” والذي يندرج تحت كلام كثير مثل الفرق بين المدير والقائد ومميزات هذا وذاك وأسس الإدارة الناجحة والتي من أهمها – وهو ما يغفل عنه الكثيرون – الحاجات النفسية للعنصر البشري وخلق قنوات اتصال جيدة معه، وبعيداً عن التنظيرات المعقدة والشعارات الرنانة ومحاضرات التنمية البشرية التي تشرح وتناقش أسس فنون الإدارة؛ يجب أن يعي كل مدير قيمة العنصر البشرى وكيف يحافظ عليه ولكي يعي ذلك لابد أن يدرك أن “نظرية الآلة” أو ما يسمى بالـ Machine Theory وهي التي تنظر إلى العامل كعنصر ميكانيكي وليس كبشر له احتياجات اجتماعية ونفسية ؛هذه النظرية التي أثبتت فشلا ذريعا في كل المؤسسات التي تسير بها، وهذه من الأسباب التي دفعت “ايفى لى” المؤسس الأول للعلاقات العامة وهو يرسخ مبادئ العلاقات العامة مراعاة العلاقة بين العاملين بالمؤسسات ومدرائهم ودراسة الحاجات النفسية للعاملين.

الشاهد من هذه المقدمة

إن أحد أصدقائي والذي يعمل في إحدى المؤسسات الكبيرة كان مستقراً في عمله يُضرب به المثل في الكفاءة والالتزام حدثني مساء أول أمس مكالمة طويلة أخبرني فيها بدايةً أنه قدم استقالته من عمله قلت له كيف وأنت من تعتمد عليه الإدارة في كثير من أعمالها ؟! كيف وقد كنت الموظف الذى يضرب به المثل ؟! هل حدث شيء فجأة ؟! قال لي لا شيء غير أن القرار كان بداخلي منذ  عدة شهور ، وحينما سألته عن الدافع الذي جعلك تفكر طيلة هذه المدة في الاستقالة أوضح أن القرار ليس نتاج حدث بعينه إنما نتاج تراكم أفعال صغيرة  تصدر من الإدارة لا تلقي لها بالا لكنها كانت تتراكم داخلي موقفا تلو الآخر حتى كان آخرها وصلت إلى القشة التي قسمت ظهر البعير كما يقولون قلت وما أمثلة تلك المواقف ؟! قال مثل وعد لم ينفذ ؛صوت لم يسمع ؛مجهود اتنسى؛ جهد لم يقدر ؛ تراكمات أوصلتني إلى إني أشوف إن وجودي زي عدمه مش فارق مع الإدارة ، قال بالحرف : أنا طول هذه الفترة وأنا أشعر أنى موجود في الشركة جسد فقط حتى سئمت الوضع فقررت الاستقالة.

في الحقيقة نصحته التراجع عن القرار خاصة أن الوضع لا يسمح بإيجاد فرصة جديدة بسهولة أو الانتظار حتى يجد تلك الفرصة. هذه النصيحة التي لم أقبلها أنا منذ ما يقرب من ستة عشر عاما حينما قررت فجأة أن أترك عملي بالمملكة العربية السعودية بنفس الطريقة ولنفس الأسباب لكن كان عزائي الوحيد وقتها أنه لازالت هناك فرص وأن الوضع العام في البلاد كان أفضل من هذا الوقت بكثير.

انتهت المكالمة لكن بقي أثرها ٠٠٠٠

لماذا لا ينتبه أصحاب الأعمال والمديرين بالمؤسسات من مثل هذه الأمور ؟! لماذ لا يعي المدير أن العامل لديه من الحاجات النفسية ما يجب إشباعها لكي يستطيع أن يعطي أكثر وأن يشعر بمكانته داخل الكيان الذى يعمل به والتي من أهمها الشعور بالاستقلالية، الكفاءة، والانتماء، بالإضافة إلى الأمان النفسي، التقدير، ووضوح الهدف.

إن إشباع هذه الاحتياجات يعزز الصحة النفسية، يزيد الإنتاجية، ويمنع الاحتراق الوظيفي، مما يحقق التوافق النفسي والنمو المهني.

إن فن الإدارة وإن كان أحد أهم الفنون التي يجب على المديرين السعي إلى تعلمها إلا أننى أرى أن فن التعامل مع العنصر البشري والاهتمام به والإنصات له أهم وأقوى لأنه على أكتافهم تبنى المؤسسات، ونجاح هذه الإدارات إنما يكون بالمرؤوسين لا الرؤساء. لاسيما ونحن في عصر اوُسِّدَ فيه الأمر في أغلب الأحيان إلى غير أهله.

والمتأمل في أسس الإدارة في الإسلام يجد أنها بنيت على أسس أهمها الرفق واللين في قيادة الناس فقد قال تعالى مخاطبا الحبيب محمد ﷺ ” وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ” وقد ضرب الفاروق عمر أروع الأمثلة في تفقد الحاجات النفسية للجنود وكان  يعتبر أن رعاية الحاجات النفسية للجنود هي جزء من صيانة الأمة والحفاظ على قوتها؛ فكان أول من حدد مدة غياب الجنود عن أهاليهم (أربعة أشهر)، مراعاة لحاجاتهم النفسية والعاطفية ولقاء أهلهم.

يا أصحاب المناصب اعلموا أن الكرسي لا يدوم وأن السيرة الطيبة والمعاملة الحسنة هي الباقية.

 دَقّاتُ قَلبِ المَرءِ قائِلَةٌ لَهُ · إِنَّ الحَياةَ دَقائِقٌ وَثَواني

 فَاِرفَع لِنَفسِكَ بَعدَ مَوتِكَ ذِكرَها ·

فَالذِكرُ لِلإِنسانِ عُمرٌ ثاني.

اقرأ للكاتب

شكرا للتعليق