مصطفى جودة يكتب: حكاية المناظرة الفريدة «2-2»

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

قالت شهرزاد: رأينا فى الليلة الماضية أيها الملك السعيد، كيف تغيرت السياسة الأمريكية الخارجية من المثالية فى عصر الرئيس جون كوينسى آدمز إلى التدخلات بعنف كما هو واضح من عقائد أو مبادئ الرؤساء الأمريكيين تحت دعاوى احتواء المد القومى الثورى فى الشرق الأوسط، وحول الشيوعية ومقاومتها فى عقيدتى ترومان وأيزنهاور، إلى تسليح الحلفاء الإقليميين فى عقيدة نيكسون، ثم الالتزام بحماية الخليج فى عقيدتى كارتر وريجان، وتدرج ذلك إلى الضربات الاستباقية وتغيير الأنظمة فى عهد جورج بوش الابن، وتوحش المحافظون الجدد فى إدارته تحت نشوة الانتصارات المؤقتة.

 هذه التوضيحات، هى المتطلبات الأساسية التى ستمكننا من المتابعة الدقيقة والفهم لما جرى فى تلك المناظرة الفريدة إضافة لفهم ما يجرى من تغييرات ملموسة تحدث داخل الولايات المتحدة ذاتها وعلو الأصوات بها والتى تطالب بأن تكون «أمريكا أولا»، وهى الشعار الذى اتخذه الرئيس ترامب فى حملته الانتخابية الرئاسية والذى أدى الحيود عنه الى الانشقاق الواضح نتيجة التدخل السافر لمصلحة إسرائيل ضد إيران.

 كانت المناظرة بين طرفين متناقضين يتعين على كل منهما إثبات صحة وجهة نظره وإقناع المشاهدين من خلال منبر المناظرة، وهل من مصلحة أمريكا والعالم أن تقوم باصطياد الوحوش والقضاء على ما تراهم أعداء بالخارج، وأن تكون شرطى العالم، أو أن تلتزم بمناصرة الحرية والديمقراطية والسلام العالمى؟.

كان الفريق المعارض لذلك هو البروفيسور جون ميرشايمر، وزميله البروفيسور ستيفين والت، وكان الفريق المؤيد كلا من السيد مايك بومبيو، ومعه السفيرة فيكتوريا نولاند، وكلاهما يرى أن القيادة الأمريكية الحاسمة ضرورية لحماية النظام الدولى وأنها ضرورة لمنع القوى المعادية من ملء الفراغ، وبالتالى فإن لم تستطع أمريكا قيادة العالم فإن القوى المعادية ستفعل. كانت مناظرة بين مدرستين متعارضتين لفهم دور الولايات المتحدة المتعاظم فى العالم خصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى: مدرسة ضبط النفس وعدم التدخل الأمريكى فى الشئون الداخلية للدول المصنفة أنها لا تخضع للسياسة الأمريكية، ومدرسة القوة التى تجد أنه من حقها التدخل بعنف فى الشئون العالمية.

 كانت صراع عمالقة: عملاقين أكاديميين وعملاقين دبلوماسيين مخضرمين. كل من ميرشايمير ووالت يريان أن هناك خطرا مزدوجا يتأتى من خصوم أمريكا المقاومين لها، ومن استخدام أمريكا للقوة المفرطة، أما بومبيو ونولاند فكانا يريان أن الانسحاب الأمريكى من المشهد يفتح الطريق أمام القوى المعادية التى لا تفهم إلا لغة القوة.

بالنسبة لفريق ميرشايمر وستيفن والت، يريان أن السياسة الخارجية الأمريكية يجب ألا تتحول إلى حملة أخلاقية فى كل أفعالها، وألا تكون سياستها الخارجية مرتكزة على أعداء تصفهم بالوحوش، وبالتالى فإن كل صراع يصبح معركة بين الخير والشر، وكل تدخل عسكرى واقتصادى يتم تفسيره طبقا لتلك المعايير الأخلاقية. فى نظر ذلك الفريق أن صيد الوحوش يؤدى الى نتائج سلبية ومكلف اقتصاديا وأخلاقيا للولايات المتحدة وأنه ينفذ لمصلحة غير مصلحتها.

 أما فريق بومبيو ونولاند، فهو امتداد لفكر المحافظين الجدد. عندما تولى بومبيو وزارة الخارجية فى إدارة الرئيس ترامب الأولى كان هو المطالب بممارسة الضغط الشديد على إيران بعد الانسحاب من الاتفاق النووي، وكان هو الذى طرح قائمة مطالب تكاد تكون مستحيلة التنفيذ على إيران، لا تقتصر على الملف النووي، بل تشمل الصواريخ الباليستية وأنه يجب حصارها وعزلها، وبالتالى فهو يرى أن إيران تمثل خطرا حقيقيا ولا بد من مواجهتها وصيدها، كان وصفه فى المناظرة أن إيران وحش يستحق الصيد، وأن أمريكا لا تستطيع أن تكتفى بالمراقبة.

 عندما قال ذلك طرح عليه الفريق الآخر سؤالا: من الذى بدأ تلك الحرب؟، ثم ثار جدل حول أثر العقوبات وأنها مصدر معاناة مخيف، وأن السياسة القائمة على العقاب والتجويع وتغيير الأنظمة وتوسيع الحروب، هى حروب خاسرة، ومضعفة لشرعية الولايات المتحدة، وأنها تزيد المقاومة أكثر ضدها، وأنها تنتج خصوما وقادة محليين لا يقبلون الخضوع ويصبحون أكثر عنفا. ربما تكون جملة ميرشايمر فى معرض نقاش أثر العقوبات الأمريكية على الخارجين عن طوعها فى الفترة من 1971 وحتى 2021، قوله: «إننى أجد صعوبة كبيرة أن أصف الولايات المتحدة بالدولة النبيلة لأننا تسببنا فى قتل 38 مليون إنسان خلال تلك المدة».

عندما طرحت السفيرة نولاند أنه كان هناك دور لإيران فى هجوم السابع من أكتوبر 2023 ضد إسرائيل، أجابها ستيفن والت أن إيران لم تك تعلم عن ذلك الهجوم، فكان رد فعلها تهكميا، فأجابها بثقة: «لا يوجد أى دليل على أن إيران كانت على علم بما حدث فى هجوم السابع من أكتوبر»، عندها لم تستطع الرد.

 كان بومبيو ونولاند مدافعين عن الحروب التى تخوضها أمريكا لاقتناعهما أن الغياب الأمريكى يخلق فراغا ستستغله القوى المعادية، ومن أجل ذلك فإن النظام الدولى فى حاجة إلى ذلك التدخل الأمريكى. كانت هناك نتيجة مهمة عن المناظرة، تعكس المزاج العالمى الحالي، حيث تم نشر تصويت قبل المناظرة وبعدها. كان تصويت الحضور قبل المناظرة لصالح فريق جون ميرشايمر وستيفن والت، بنسبة تأييد بلغت 55%، مقابل 45% لصالح فريق مايك بومبيو ونولاند. عقب المناظرة تغيرت النسبة لتكون 56% مقابل 44%، ورغم صغر تلك النسبة التى تغيرت، فإنها ذات دلالة، وهى أن هناك وعيا عالميا جديدا بدأ فى البلورة والنمو يوما بعد يوم.

gate. Ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: حكاية المناظرة الفريدة «1-2»

شكرا للتعليق