مصطفى جودة يكتب: حكاية المناظرة الفريدة «1-2»

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

قالت شهرزاد، بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد أنه بتاريخ 20 مايو الماضى، عقدت مناظرة تاريخية بمدينة تورونتو الكندية، بعنوان: «ليكن القرار: لا تذهبوا لاصطياد الوحوش»، تحث على عدم التدخل العسكري الأمريكى بقصد القضاء على ما تراهم وحوشا خطيرين. كانت مناظرة مغلقة، يتعين على الذي يريد مشاهدتها أن يدفع 25 دولارا للمرة الواحدة. كانت مناظرة رباعية بين طرفين متناقضين، الأول يوافق على المبدأ، والثاني، لا يوافق. كان الطرف الأول ممثلا فى أستاذين من أعظم أساتذة العلوم السياسية فى العالم وهما جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية بجامعة شيكاغو، وزميله ستيفين والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، اللذان كتبا معا أهم كتاب عن منظمة إيباك عام 2007 والذى كشف دورها بطريقة تهدد وجودها، بعد أن ظن القائمون عليها أنها المهيمنة والقاضية والناهية فى تشكيل السياسة الأمريكية الخارجية وجعلها لخدمة إسرائيل على طول الخط. أما الطرف الثانى فكان متمثلا فى مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكى الأسبق والسيدة فيكتوريا نولاند، والتى شغلت منصب مساعد وزير الخارجية الأمريكية عام 2013 للشئون الأوروبية.

كانت مناظرة بين مدرستين متعارضتين لفهم دور الولايات المتحدة المتعاظم فى العالم، وخصوصا بعد سقوط الاتحاد السوفيتى: مدرسة ضبط النفس وعدم التدخل الأمريكى فى الشئون الداخلية للدول المصنفة أنها لا تخضع للسياسة الأمريكية، ومدرسة القوة التى تجد أنه من حقها التدخل بعنف فى الشئون العالمية. هنا قاطعها الملك قائلا: ولماذا تهمنا هذه المناظرة الخاصة جدا؟، أجابت شهرزاد: نعم تهمنا كثيرا يا مولاى وسأثبت ذلك من خلال توضيحى للمفاهيم التاريخية للتدخلات الخارجية الأمريكية فى منطقتنا وكل ما يرتبط بها.

 عقدت المناظرة لإلقاء المزيد من الضوء على التدخلات الأمريكية فى الشرق الأوسط وغيره، وحرص منظموها على أن تكون فى أثناء الحرب التى دارت رحاها بين أمريكا وإسرائيل وإيران.

 عنوان المناظرة مستسقى من خطاب للرئيس السادس للولايات المتحدة، جون كوينسى آدامز عندما كان وزيرا للخارجية الأمريكية أمام الكونجرس بمناسبة الاحتفال بعيد الاستقلال الأمريكى فى الرابع من يوليو، عام 1821، عن السياسة الأمريكية الخارجية، وترجع أهمية الخطاب أنه كان خطابا أخلاقيا أرسى فيه قاعدة عدم التدخل الأمريكى الخارجى حينها. ومن أجل ذلك سأقدم بعضا من فقراته دلالة على محتواه: «أمريكا أعلنت للبشرية الحقوق الخالدة للطبيعة البشرية والأسس الشرعية الوحيدة للحكم، دأبت على مد يد الصداقة والحرية التى لا تقبل المساومة والمعاملة بالمثل».

«أمريكا تحترم استقلال الأمم الأخرى مع تأكيداستقلالها والحفاظ عليه، كما أنها لا تتدخل فى شئون الآخرين». «أمريكا تتمنى الخير لحرية واستقلال الجميع، غير أنها لا تذهب للخارج بحثا عن وحوش لتدميرها، إنها تدافع عن شعبها فقط». «إنها تتمنى الخير والحرية واستقلال الجميع».

 «إنها المدافعة عن شعبها فقط». «إنها ستدعم القضية العامة بابتسامة صوتها وتعاطفها النبيل الذى يتجلى فى مثالها، وإنها تدرك تماما أنها بمجرد انضمامها تحت رايات أخرى غير رايتها، حتى ولو كانت رايات استقلال أجنبى فإنها ستتورط فى جميع حروب المصالح والمؤامرات والجشع والحسد التى تتخذ ألوان الحرية وتغتصب رايتها، وهذا سيحول المبادئ الأساسية لسياستها تدريجيا من الحرية الى القوة، وقد تصبح ديكتاتورية العالم، ولن تعود بعد ذلك حاكمة لروحها». «مجد أمريكا ليس فى الهيمنة، بل فى الحرية، ومسيرتها هى مسيرة العقل. لديها رمح ودرع شعاره: الحرية والاستقلال والسلام».

 «أمريكا ينبغى ألا تخرج الى العالم بحثا عن وحوش لتدميرها». تغيرت تلك السياسة الخارجية الحكيمة للرئيس جون كوينسى آدمز التى لا تجعل من أمريكا شرطى العالم، لتظهر على العالم عقائد الرؤساء الأمريكيين أو مبادئهم، خاصة فى الشرق الأوسط، والتى تجيز التدخل واصطياد «الوحوش»، تحت دعاوى مقاومة الشيوعية والدفاع عن الديمقراطية وتسليح الحلفاء.

كانت عقيدة ترومان فى مارس 1947، والتى نصت على دعم الشعوب الحرة التى تتعرض لمحاولات الإخضاع من جماعات مسلحة أو نتيجة ضغوط خارجية. كان الهدف منها منع تمدد النفوذ السوفيتى فى تركيا والشرق الأوسط.

 تلى ذلك مبدأ أيزنهاور فى مارس 1957، والذى نص على أن أمريكا ستقدم المساعدات الاقتصادية والعسكرية بناء على طلب أى دولة تتعرض لعدوان مسلح مرتبط بالشيوعية الدولية، وهو الأمر الذى نتج عنه تدخل أمريكا فعليا فى لبنان، عندما طلب منها ذلك. تلى ذلك عقيدة نيكسون فى يوليو 1969، والتى أجازت التدخل الأمريكى لحماية حلفائها ومواجهة النفوذ السوفيتى والتيارات الثورية.

 تلى ذلك عقيدة كارتر التى اعتبرت أمن الخليج وتدفق البترول جزءا من الأمن القومى الأمريكي. تلى ذلك عقيدة ريجان عام 1985 والتى نصت على دعم الحركات المسلحة التى تقاوم الأنظمة الشيوعية.

 هناك أيضا عقيدة جورج بوش الأب فى 11 سبتمبر 1990 بعد الغزو العراقى للكويت، وعقيدة الرئيس كلينتون فى مايو 1993، التى كان أساسها احتواء إيران.

تلى ذلك عقيدة جورج بوش الابن فى سبتمبر 2002، والتي نصت على شن ضربات استباقية وملاحقة الجماعات الإرهابية والدول التى تؤوى تلك الجماعات.

 لم يكن للرئيس بايدن عقيدة، ولكن كان لإدارته توجه وهو منع إيران من امتلاك أسلحة نووية ودعم أمن إسرائيل والحفاظ على الشراكات الخليجية.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: حكاية نيتانياهو وكوابيس اللاعودة «2ــ 2»

شكرا للتعليق