مختص في علاج الإدمان…. الاضطرابات النفسية المرتبطة بالهرمونات
قد تستيقظ امرأة في بعض الأيام وهي تشعر بأنها شخص آخر؛ مزاجها يتبدل، قدرتها على الاحتمال تنخفض، القلق يرتفع، النوم يضطرب وتصبح أبسط المواقف اليومية أكثر استفزازا وقد تمر أيام أخرى فتعود إلى طبيعتها وكأن شيئا لم يكن وقد تقول أم بعد الولادة: «أنا أحب طفلي، فلماذا أشعر بهذا الحزن والاختناق؟» وقد تدخل امرأة مرحلة منتصف العمر فتجد نفسها أمام قلق أو تهيج أو اضطراب في النوم لم تعهده من قبل.
وفي المقابل، قد يعاني رجل من تغيرات في الطاقة والمزاج والدافعية بالتزامن مع اضطراب في بعض الهرمونات، فيُفسَّر الأمر أحيانًا على أنه «كسل» أو «ضعف إرادة» هنا تظهر حقيقة مهمة في الصحة النفسية: العقل لا يعمل منفصلا عن الجسد، فالدماغ عضو بيولوجي شديد الحساسية للتغيرات الهرمونية والهرمونات بدورها تؤثر في أنظمة عصبية مرتبطة بالمزاج والنوم والطاقة والاستجابة للضغط النفسي، لكن هذا لا يعني أن كل اكتئاب أو قلق سببه هرموني؛ فالعلاقة أكثر تعقيدا من ذلك.
الهرمونات ليست مجرد مواد في الدم
الهرمونات رسائل كيميائية تؤثر في عدد كبير من وظائف الجسم، ومنها وظائف ترتبط مباشرة بالصحة النفسية ومن أهم المنظومات التي تستحق الانتباه:
الإستروجين والبروجستيرون (Estrogen & Progesterone)
هرمونات الغدة الدرقية (Thyroid Hormones)
الكورتيزول (Cortisol) المرتبط بمنظومة الاستجابة للضغط النفسي
البرولاكتين (Prolactin)
التستوستيرون (Testosterone)
وغيرها من الإشارات العصبية والهرمونية التي تعمل في شبكة متداخلة.
لذلك فإن السؤال الصحيح ليس: «هل الهرمونات تسبب المرض النفسي؟» بل: «كيف تتفاعل التغيرات الهرمونية مع الدماغ والجينات والضغوط النفسية والنوم والبيئة لتزيد قابلية بعض الأشخاص لظهور الأعراض؟» وهذا فرق علمي مهم، لماذا تتأثر بعض النساء أكثر من غيرهن؟.
تظهر العلاقة بين التغيرات الهرمونية والصحة النفسية بوضوح خاص خلال مراحل معينة من حياة المرأة: الدورة الشهرية، الحمل، فترة ما بعد الولادة والمرحلة الانتقالية إلى سن انقطاع الطمث،
لكن المفارقة أن التغير الهرموني وحده لا يفسر كل شيء.
فمعظم النساء لا يصبن باضطراب نفسي لمجرد حدوث تغير طبيعي في الهرمونات. ويبدو أن بعض النساء يمتلكن حساسية بيولوجية أكبر للتقلبات الهرمونية الطبيعية، بحيث يصبح التغير الذي قد يكون عاديًا لدى امرأة مؤثرًا في المزاج والسلوك لدى أخرى وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن «حساسية الهرمونات» Hormone Sensitivity ظاهرة متعددة العوامل وليست مجرد ارتفاع أو انخفاض رقم معين في تحليل الدم.
اضطراب ما قبل الطمث: حين يصبح «مزاجي يتغير قبل الدورة» مشكلة حقيقية
من أكثر الأمثلة وضوحا اضطراب ما قبل الطمث الاكتئابي (Premenstrual Dysphoric Disorder – PMDD) وهنا ينبغي التفريق بين الأعراض السابقة للدورة الشهرية المعتادة وبين اضطراب PMDD، الذي تكون أعراضه أشد وقد تشمل الاكتئاب والقلق والتهيج الشديد والتقلبات المزاجية وتغير الشهية والنوم، وقد تصل لدى بعض الحالات إلى أفكار انتحارية.
والأهم أن المشكلة ليست بالضرورة أن مستويات الإستروجين أو البروجستيرون «غير طبيعية». فقد تكون المستويات طبيعية، لكن الدماغ لدى بعض النساء يكون أكثر حساسية للتغيرات الطبيعية التي تحدث في هذه الهرمونات.
وهنا يتغير فهم المشكلة بالكامل فبدل أن نقول للمرأة: «أنتِ حساسة أكثر من اللازم» ينبغي أن نسأل: هل هناك نمط متكرر للأعراض مرتبط بمرحلة محددة من الدورة؟ ولهذا يمكن أن يكون تسجيل المزاج والأعراض يوميا لعدة دورات Monthly Symptom Tracking أداة مهمة جدا في التقييم.
بعد الولادة: ليست كل أم حزينة «غير ممتنة»
من أكثر الأخطاء قسوة أن تُفسَّر معاناة المرأة بعد الولادة بأنها ضعف في الإيمان أو عدم تقدير للنعمة أو عدم حب لطفلها، الاكتئاب التالي للولادة Postpartum Depression حالة نفسية حقيقية يمكن أن تظهر خلال فترة ما بعد الولادة وقد تتداخل فيها التغيرات الهرمونية مع النوم المتقطع والإجهاد والضغط النفسي والتاريخ السابق للاضطرابات النفسية والعوامل الاجتماعية والبيولوجية الأخرى وتوصي الإرشادات الطبية الحديثة بالفحص المنظم للاكتئاب والقلق خلال الحمل وما بعد الولادة.
وتشهد الفترة المحيطة بالولادة تغيرات كبيرة في عدة منظومات هرمونية وعصبية، ولذلك يدرس الباحثون العلاقة بين هذه التغيرات وبين اضطرابات المزاج لدى النساء الأكثر قابلية لها لكن مرة أخرى، لا ينبغي اختزال اكتئاب ما بعد الولادة في «انخفاض هرمون» واحد.
فالجسم والعقل والظروف المحيطة بالأم يعملون معا ولهذا فإن العلاج الناجح قد يحتاج إلى مزيج من Psychotherapy والدعم الاجتماعي وتحسين النوم قدر الإمكان والتقييم الطبي والأدوية عند الحاجة، وفق الحالة وتحت إشراف المختصين.
منتصف العمر: عندما يتغير الجسد فتتغير معه التجربة النفسية، المرحلة الانتقالية إلى انقطاع الطمث Perimenopause ليست مجرد قصة عن الدورة الشهرية والهبات الساخنة، فالتغيرات الهرمونية خلال هذه المرحلة قد تترافق لدى بعض النساء مع اضطرابات في النوم، وارتفاع القلق، والتهيج، وتغير المزاج، وقد تظهر أو تتفاقم أعراض اكتئابية لدى بعض النساء ويذكر المعهد الوطني للصحة النفسية أن الحمل، وفترة ما بعد الولادة، والدورة الشهرية والمرحلة الانتقالية إلى انقطاع الطمث ترتبط بتغيرات جسدية وهرمونية يمكن أن تسهم في ظهور نوبات اكتئابية لدى بعض النساء.
وهنا قد تقع المرأة في فخ خطير: تبدأ المشكلة بنوم سيئ، ثم يأتي الإرهاق، ثم ضعف القدرة على تحمل الضغوط، ثم التهيج، ثم الانسحاب الاجتماعي، ثم يبدأ الشخص في تفسير كل ذلك على أنه «تغير في الشخصية» بينما قد تكون هناك منظومة بيولوجية ونفسية كاملة تستحق التقييم والغدة الدرقية؟ قصة لا ينبغي تجاهلها هناك حالات طبية وغددية يمكن أن تتشابه أعراضها مع بعض الأعراض النفسية.
اضطرابات الغدة الدرقية، على سبيل المثال، يمكن أن تترافق مع تغيرات في الطاقة والمزاج والنوم والتركيز وغيرها من الأعراض الجسدية والنفسية وهنا تظهر قاعدة مهمة في الممارسة الإكلينيكية: ليس كل ما يشبه الاكتئاب اكتئابًا أوليًا، وليس كل قلق سببه اضطراب قلق مستقل.
لذلك، عندما تكون الأعراض جديدة أو شديدة أو مصحوبة بتغيرات جسدية واضحة، قد يكون من المناسب إجراء تقييم طبي بالتوازي مع التقييم النفسي، بدل وضع تفسير واحد للمشكلة منذ البداية.
وماذا عن الكورتيزول؟ الكورتيزول جزء أساسي من منظومة Hypothalamic–Pituitary–Adrenal Axis (HPA Axis)، وهي إحدى المنظومات الرئيسية التي تساعد الجسم على التعامل مع الضغط النفسي.
لكن الحديث الشعبي عن الكورتيزول كثيرًا ما يختزل المسألة في عبارة: «الكورتيزول مرتفع، إذن أنت متوتر» وهذا تبسيط مخل فالـ HPA Axis منظومة معقدة، وتتأثر بعوامل متعددة، كما تختلف أنماطها باختلاف الظروف والمرحلة العمرية والحالة النفسية والبيولوجية. وتشير المراجعات العلمية إلى وجود تفاعل معقد بين منظومة الضغط النفسي والتغيرات الهرمونية واضطرابات المزاج، خصوصًا عبر مراحل الحياة الإنجابية لدى النساء.
لذلك لا ينبغي تحويل نتيجة تحليل منفرد إلى تشخيص نفسي، الحل ليس في البحث عن «هرمون واحد» ربما تكون هذه أهم رسالة في الموضوع كله عندما يشعر الإنسان بتغير مفاجئ في المزاج أو الطاقة أو النوم، فإن الحل ليس أن يبحث مباشرة عن تحليل هرموني واحد ثم يبني عليه تفسير حياته كلها.
الأكثر فائدة هو التقييم المتكامل (Integrated Assessment).
ويشمل ذلك:
أولًا: ملاحظة النمط
متى بدأت الأعراض؟ هل تتكرر؟ هل ترتبط بالدورة الشهرية، أو الولادة، أو مرحلة عمرية معينة؟
ثانيًا: تقييم النوم
اضطراب النوم يمكن أن يزيد القلق والتهيج ويضعف التركيز والمزاج، وقد يصبح جزءًا من دائرة متبادلة بين الأعراض النفسية والجسدية.
ثالثًا: التقييم الطبي عند الحاجة
خصوصا عندما توجد أعراض جسدية أو تغيرات غير معتادة تستدعي استبعاد أسباب عضوية.
رابعًا: التقييم النفسي
فوجود عامل هرموني محتمل لا يعني غياب الاكتئاب أو القلق أو الصدمة أو الضغوط النفسية.
خامسًا: عدم العلاج الذاتي بالهرمونات
فالهرمونات ليست مكملات غذائية عادية، واستخدامها دون تشخيص وإشراف طبي قد يؤدي إلى مشكلات لا تقل أهمية عن المشكلة الأصلية.
الرسالة التي يحتاج كثير من الناس إلى سماعها، هناك شخص يعيش منذ أشهر وهو يلوم نفسه لأنه «لم يعد كما كان» وهناك امرأة تظن أنها أصبحت عصبية بلا سبب وأم بعد الولادة تخجل من مشاعرها لأنها تعتقد أن الأمومة يفترض أن تكون سعادة متواصلة.
وشخص آخر يعتقد أن كل ما يحدث له «نفسي» بينما يحتاج أيضًا إلى تقييم طبي.
الحقيقة أن النفس والجسد ليسا خصمين، الدماغ يتأثر بالجسم، والجسم يتأثر بالحالة النفسية، والهرمونات تتفاعل مع الدماغ، والضغط النفسي يؤثر في منظومات عصبية وهرمونية، وكل ذلك يحدث داخل إنسان واحد، لذلك فإن التعامل الرصين مع الاضطرابات النفسية المرتبطة بالهرمونات لا يبدأ بعبارة: «هذه مشكلة نفسية» ولا بعبارة: «هذه مشكلة هرمونات».
بل يبدأ بسؤال أكثر نضجا: ما الذي يحدث لهذا الإنسان كاملا وعندما نطرح هذا السؤال، يصبح العلاج أكثر إنسانية، والتشخيص أكثر دقة ويصبح الشخص أقل ميلا إلى لوم نفسه على أعراض قد يكون وراءها تفاعل معقد بين البيولوجيا والنفس والظروف الحياتية، فهم العلاقة بين الهرمونات والصحة النفسية لا يعني أن نضع كل مشاعرنا تحت رحمة الهرمونات؛ بل يعني أن نتوقف عن محاكمة الإنسان على أعراض تحتاج أولًا إلى أن تُفهم.
بقلم: خالد رغدان أخصائي نفسي
مختص في علاج الإدمان – السلاح الطبي
قسم علاج الإدمان
اقرأ ايضاً
الأخصائي النفسي خالد رغدان يًجيب: هل كل اضطراب نفسي يحتاج إلى علاج دوائي؟

