دلالة “الجبن” في “سيدة الجبن” للقاصَّة منال الأخرس

دراسة بقلم: حسن الحضري

     تكمن أهمية هذه المجموعة القصصية الجديدة “سيدة الجبن” للكاتبة المبدعة منال الأخرس؛ في تناوُلها لعددٍ من القضايا الحيوية ذات الانتشار الواضح، والتأثير الملموس، على اختلاف محاورها وتعدُّد أبعادها؛ وقد جاء العنوان معبرًا ومختزِلًا في طياته جميع القضايا التي تدور حولها هذه المجموعة؛ إذْ يُعتبر “الجبن” هنا بمثابة بؤرة الارتكاز أو المحور الذي تدور حوله معظم تلك القضايا؛ ونلاحظ ذلك ابتداء من مطالعة أولى قصص هذه المجموعة بعنوان “الكبيرة”؛ حيث تشير فيها الكاتبة إلى “الجبن” وأثره على زملاء بطل القصة؛ إذْ يتخذون منه جانبًا، ويَحْذَرون من الانسياق خلف آرائه.

    كما تذكر الكاتبة “الجبن” في قصتها الثانية “سيف الغربة”، حيث تقول على لسان بطل هذه القصة وهو يفكر في استمرار غربته أو العودة إلى وطنه: «لا أعلم كيف يملؤني الجبن كلما فكرت في هذا الأمر، حقًّا الغربة أكبر صانعة للجبن، رغم أنها منحتني أمان الحاجة أو المادة، ولكن أين أنا من أمان الروح والقلب؟!!».

     ونطالع قصتها الثالثة “بلا أسف”، فنجد الكاتبة تختتمها بما يدل على “الجبن” أيضًا؛ حيث تقول: «تذكرتْ يوم أحضرتْ لنفسها طبًقا شهيًّا، وعندما همَّت بالتهامه؛ وجدت  حشرة مستقرة فيه، بقدر الرغبة فيه واللهفة عليه؛ بقدر التَّأفُّف منه، والعزيمة المباغتة المصرة على الهروب من أمامه!!»؛ مع التنبيه على عدم صحة ذكر «بقدر» الثانية لغويًّا، التي جاءت عند الكاتبة.

     أما قصتها الرابعة، التي تحمل عنوان الرواية “سيدة الجبن”، فهي -على قِصَرِها- تتكرر فيها العبارات الدالة على “الجبن”؛ مثل «لكلٍّ منا سرها الذي لا يكون البوح به إلا أمامها»، و«كلما زاد الخضوع والولاء كلما أغدقت على عبيدها من جاذبية زئبقية»؛ مع التنبيه على عدم صحة ذكر «كلَّما» الثانية لغويًّا، التي جاءت عند الكاتبة.

    وتختتم الكاتبة قصتها “أنا موجودة” بقولها على لسان بطلة القصة، «وتنبهتُ أن النعيم ليس بالجلوس في حجرة معزولة، ولا امتطاء دابة ترفعني عن أشواك تحفُّ الخطوات؛ وأنه -النعيم- ليس له وجود حقيقي إلا بعد الممات»، وربما ظن القارئ أن البطلة هنا قالت هذه الفقرة على سبيل الشجاعة، على حدِّ قول المتنبي:

ولَوَ انَّ الحياةَ تَبقَى لحيٍّ= لعَدَدْنا أضلَّنا الشُّجعانا

    إلا أن فكرة القصة توحي بغير ذلك؛ إذْ يبدو فيها واضحًا معنى “الجبن” الذي دفع البطلة إلى التسليم بأنه لا راحة إلا بالموت.

   ويسير الأمر على وتيرة واحدة، فنجد في قصتها “احتلال امرأة” ما يدل أيضًا على “الجبن”؛ في قولها «فهي ملجمة بقيود فرضتها على نفسها»، حتى إنها «وبعد أسبوعين -بل أقل- خاضت خلالهما ألذ وأطول تجربة تمرد وعصيان؛ عادت في خضوع، رافعة رايات النصر على النسيان!!».

   وفي قصتها “حلم مرفوض” تجْبن البطلة عن المواجهة، فتلجأ إلى عالم الخيال، «وهيأ لها خيالها أن يكون ردُّ جميلها بأن تعجز عن شيء معين، أو يصيبها مرض أو ضعف، ويتبدَّى لها وقوفه بجوارها، وأن يبذل الكثير لإسعادها في الوقت الذي يتخلَّى عنها جميع من حولها!!»، حتى بعد أن أدركت مرارة ذلك الخيال الذي أمَّلت نفسها به، «وتخلت حينها عن تفاصيل الحلم الذي يحمل إليها السعادة، والذي يعوضها عما عانت وتكبدت»؛ نجدها تعيش حلمًا آخر؛ «فربما أعدَّ لها القدر أكثر مما “رنا” إليه خيالها وتوقعت».

   لذلك لا نشكُّ أن “الجبن” أيضًا هو الذي قاد بطلة قصة “قصاص” إلى العزلة والانطواء، قبل أن تفيق من ذلك وتقول مخاطبة القدَر: «نبهتني أن وجودي فى حيزي المعهود والمشهود له بالانعزال عن الجميع لن يعفيني من الالتحام والانخراط وسط الزحام، ولن يحميني حذري منك يا قدري».

   حتى في قصة “اقتحام”، نجد -على خلاف ما يوحي به العنوان- عباراتٍ واضحة الدلالة على معنى “الجبن”؛ حيث تقول الكاتبة: «لتنأى قدر الإمكان عن شرك هذا المصير الذي وجدته يتصدى لكل ركن من أركان عالمها»؛ فهي تقول: «لتنأى….» ولم تقل: «لتواجه» مثلًا أو نحو ذلك.

   ويبدو أنها أرادت أن تتخلص من “الجبن”، من خلال بطلة قصتها “برزخ الحرية”، حيث تصفها بأنها «كان قلبها لوقتٍ ليس بالهين يمسك بمصيرها، وكانت مستسلمة، وها هي في غفلة منه قد تسلمت زمام أمورها، فلماذا لا تعتبر ذلك انتصارًا لذاتها، وعليها ألَّا تعود إلى الماضي، وألا تنساق إليه مرة أخرى؟!!».

   حتى في قصة “بائعة الجبن” تسترسل الكاتبة في أفكارها متناولة “الجبن”، فتقول: «فلقمة العيش تزرع الجبن والخوف فى أعماق آكِلِها أو حتى الباحث عنها»، حتى وهي تدوِّن مذكراتها، وتستوقفها «مشاهد المظاهرات المتدفقة فى الشوارع والميادين وسرادقات الجامعة»؛ نجدها تستدعي “الجبن” أيضًا، فتقول متساءلة: فما الذى حرك هؤلاء الطلبة، وكيف استمدوا كل هذا الحماس، ومن أمدَّهم بهذه القوة، ومن منحهم الشجاعة؟!!، ولا أعلم لماذا شعرتُ بالخوف، وأظنه “الجبن”، فلم أقوَ على متابعة تفاصيل المشهد»، ثم تمضي في سردها مصطحبة معها “الجبن”، فتقول: «وانتقلت لمشهد آخر يحمل وجوهًا لفتيات صغيرات فى الشوارع ليلًا، في انتظار من يمنحهن لفافة نقدية تعفيهن من الجوع ومشقة البحث عن عمل فى سوق راكد بلا قيم، ولا يوجد بضاعة رائجة به سوى سلعة واحدة؛ هي “الجبن”، ومن أجلها يباع كل شيء!!»؛ وتتخذ الكاتبة هنا من “الجبن المأكول” في هذه القصة، رمزًا “للجبن المحسوس″؛ حيث تقول: «جذبنى من خضم مشاهدي صوت متحدث بالتلفاز، كان كل حواره حول مخاطر شراء الجبن من البائعات؛ فَبِهِ أمراض وملوثات، ولدواعي صحية يجب شراء الجبن المعلَّب، ومراعاة التأكد من إغلاق العبوَّة، والبحث عن علامة الأيزو العالمية؛ خشية على الصحة العامة، وضمانًا للجودة؛ فالجبن البيتي غير آمن، أما الجبن المُصَنَّع أكثر أمانًا.. حينها تيقنت أننا نعيش “جبنًا” عالميًّا مستوردًا، وما علينا سوى الالتزام بمعايير السلامة التى تفرضها علينا “بائعة الجبن العظمى”، التي تصدِّره بكميات وأطنان غير قابلة للحصر أو الوصف، لكل ما سواها من البشر!!».

   وتصل الكاتبة إلى مرحلة المواجهة والمصارحة، في قصتها “وديعة كبرى”؛ حيث تقول على لسان صديقتها “هدى”: «لماذا لا يعلو صوتنا مثل راجية؟!؛ فهى مثلنا لا تزال على أولى عتبات السلم، ورفضتْ كل هذا!!»، ثم تكشف الكاتبة عن تساؤلاتها “الخفيَّة” من خلال هذا المشهد: «أقبلت علينا راجية قادمة من مكتب  المدير، تلقَّتْها هدى وسألتْها: من أين أتيتِ بهذه القوة والجرأة وأنت التى تتَّسمين بالوداعة والهدوء؟!..

راجية: لأني لم أندم في حياتي على شيء قط إلا بسبب وجودي في هذا المكان الذي يدار بمنتهى الغباء».

   ثم تمضي الكاتبة في رسم ملامح الشخصية النموذجية المنتصرة على “الجبن”، فتقول على لسان راجية: «أنا لا أخشى الظلام لكني أرفض السير فيه، قد لا أعرف الخطوة التالية ولكن يكفيني أني استطعت أن أعبر خطوة تقربني من الراحة والتصالح مع نفسي؛ ربما كانت تلك الخطوة المجهولة العواقب سببًا لانبعاث النور، واستدعاء الشمس أن تسطع».

  ثم تضع الكاتبة الحل للخروج من “أزمة الجبن” من خلال حوارها مع راجية ، حيث تقول :

  «قلت لها: أنت بهذا تخسرين مكانك!!..

راجية: خير لى أن أخسر العالم مقابل أن أكسب نفسي، واعتزازي بذاتي لا يوازيه أي شيء، حتى وإن كان هذا الحلم الذى تلهثون وراءه؛ فأنتم باستمراركم هنا تخسرون كل يوم شيئًا ثمينًا، حتى إذا حققتم الحلم؛ أصبحتم مجردين من كل شيء، وحينها سيكون الحلم كابوسًا تعجزون عن التخلص منه!!..

سألتُها: مِن أين أتيتِ بكل هذه الثقة وكل هذه الحكمة؟..

راجية: ليس للشفافية مصدر آخر سوى الله سبحانه وتعالى».

    نلاحظ أن الكاتبة تتناول مواقف متعددة ومختلفة، لأشخاص تختلف قصصهم وأحوالهم، ويتفق معظمهم في صفة واحدة؛ هي “الجبن”، على اختلاف درجة تأثيره على كلٍّ منهم، وفي النهاية تضع الكاتبة لهم الحل على لسان راجية بطلة قصة “وديعة كبرى”، وهي القصة الحادية والعشرون ضمن مجموعة “سيدة الجبن” التي تضم خمسًا وعشرين قصة، والصادرة عن الهيئة العامة للكتاب.

دراسة بقلم: حسن الحضري عضو اتحاد كتاب مصر

دراسة بقلم: حسن الحضري
عضو اتحاد كتاب مصر

اقرأ للكاتب

سِدرةُ المنتهَى… “شعر” حسن الحضري

شكرا للتعليق على الموضوع