مصطفى جودة يكتب: جمال الدين الفندى ومحمد عبدالسلام

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

حلت علينا فى 13 مارس الحالى الذكرى المئة والثانية عشرة لميلاد الدكتور محمد جمال الدين الفندى، والذى يعتبر واحدا من أبرز علماء مصر فى القرن العشرين. كان تلميذا للدكتور مشرفة، وكان مثله موسوعى الثقافة، وهو من الشخصيات المصرية العظيمة الذى يجب الاحتفال بذكراها دائما لتعرف عنه الأجيال الحالية والقادمة. شاهدته مرة فى برنامج تليفزيونى وأنا فى المرحلة الإعدادية من عمرى قال فيه جملة لها رنين دائم فى أذنى وهى أن المتناهى فى الكبر يتماثل مع المتناهى فى الصغر فى خلق الله. الى جانب تخصصه الأساسى فى الفيزياء الفلكية والتى يعتبر مؤسسا لها فى مصر، كان مثل استاذه مشرفة فى مسيرة حياته، حيث حصل على مجموع عال فى التوجيهية يؤهله لدراسة الهندسة أو الطب مثلما حدث مع مشرفة عندما كان ترتيبه الثانى على القطر وهو ما يؤهله لدراسة الهندسة أو الطب، غير أنه أصر على دراسة العلوم والتحق بمدرسة العلوم العليا، حيث لم تكن هناك كلية علوم حينها والتى أسسها هو فيما بعد، وهو نفس الأمر الذى فعله جمال الدين الفندى حيث قام بسحب ملفه من كلية الطب التى كانت أسرته تريدها واختار دراسة العلوم لعشقه إياها. حصل على بكالوريوس الطبيعة الخاصة عام 1935، ثم سافر الى انجلترا وحصل على دكتوراه الفلسفة فى الطبيعة الجوية من جامعة لندن عام 1938. أنشأ قسم الفلك بعلوم القاهرة ووحدة الطبيعة الجوية فى المركز القومى للبحوث. له العديد من الدراسات الرائدة فى مجال الرصد وله الكثير من الأبحاث العلمية فى أكبر المجلات العالمية. له العديد من الكتب العلمية منها: الطبيعة الجوية والأرصاد الجوية. كما أنه قام بترجمة العديد من الكتب منها: قصة الفيزياء وسكان السماوات والأرض. كان مثل الدكتور مشرفة فارسا من فرسان الثقافتين: العلمية والأدبية. كان كثير الظهور لتثقيف العامة والخاصة بالثقافة العلمية، كما أنه ترك العديد من الكتب الثقافية التى مازال الناس يقرؤنها بنهم فى العالم العربى كله منها: كتاب عجائب السماوات والأرض وكتاب الصعود للمريخ وكتاب القرآن والعلم والإسلام والعمل وغير ذلك.

عندما كبرت شاهدت محمد عبدالسلام العالم الباكستانى وأول عالم مسلم يحصل على جائزة نوبل فى الفيزياء يلقى خطاب قبوله لجائزة نوبل فى الفيزياء عام 1979، ويبدأه بنفس الآيتين الكريمتين، اللتين بهما إشارة عن تماثل البنيان الذرى والأصغر منه مع البنيان المجرى والأكبر منه. كانت كلمة محمد عبدالسلام فى حفل توزيع جوائز نوبل بتاريخ 10 ديسمبر 1979، انعكاسا لمحتواه الإنسانى ومحاولاته المستدامة أنه لا توجد عداوة بين الدين والعلم، وهى كلمة قصيرة، أردت أن أترجمها وأنقلها كاملة هنا الى العربية عسى أن تكون مصدر إلهام للكثيرين، قال فيها:

«أصحاب الجلالة والمعالى والسعادة، سيداتى وسادتى.

بالنيابة عن زملائى أتقدم بالشكر لمؤسسة نوبل وأكاديمية العلوم السويدية، على الشرف العظيم واللطف الذى قدمتموه لنا، بما فى ذلك لطفهما فى مخاطبتى باللغة الأردية. إن باكستان مدينة لكم بشدة من أجل ذلك. إن نشأة الفيزياء إرث مشترك للبشرية جمعاء، شارك فيه الشرق والغرب والشمال والجنوب على قدم المساواة. يقول المولى عز وجل فى كتابه الكريم: «الذى خلق سبع سماوات طباقا ما ترى فى خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور. ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير» (الملك 3- 4). هذا فى الواقع هو إيمان جميع علماء الفيزياء، فكلما تعمقنا فى أبحاثنا زادت دهشتنا وزاد انبهارنا. أنا أقول هذا ليس فقط لمجرد تذكير الحاضرين هنا بهذا، ولكن أيضا لأولئك فى العالم الثالث الذين يشعرون بأنهم خسروا فى السعى وراء المعرفة العلمية.

أنا أقول إن هذا الشعورنتيجة نقص مواردهم والفرص المتاحة لهم. أود أن ألفت النظر هنا أيضا أن ألفريد نوبل أكد فى وصيته بخصوص الجائزة أنها لن تكون على أساس عنصرى وأن هذا لن يكون له أى تأثير فى الحصول عليها. وأرجو أن تسمحوا لى بهذه المناسبة أن أقول هذا لمن وهبهم الله من فضله: فلنعمل سويا، جاهدين على توفير فرص متساوية للجميع ليتمكنوا من الإسهام فى الابتكارات العلمية والفيزيائية لما فيه خير البشرية جمعاء، وهذا يتوافق تماما مع روح ألفريد نوبل والمثل التى غرسها فى حياته».

كان محمد عبدالسلام متيقنا أن القرآن يحوى كثيرا من الإعجازات العلمية والفلسفية الملهمة التى بوسعها إلهام الباحثين فى كل الأزمنة. فاز محمد عبدالسلام بجائزة نوبل بما قدمه من أبحاث أصيلة بخصوص نظرية التوحيد بين القوى الأربع الحاكمة فى الكون وقام بالتعاون مع عالمين بريطانيين بجامعة كمبردج هما ستيفن واينبرج وشيلدن جلاشو بتطوير نظرية توحيد القوة الكهرومغناطيسية والقوة النووية الضعيفة والتى توقعوا نظريا فيها بوجود جسمين ذريين بالذرة هما جسيم دبليو وجسيم زد و وهما الجسيمان اللذان استطاع العالم الإيطالى كارلو روبيا مشاركة مع عالم هولندى اكتشافهما عمليا من خلال تجاربهما فى معمل المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية عام 1983، والتى فازا بسببها أيضا بجائزة نوبل فى الفيزياء عام 1984 ولتكون أول جائزة نوبل يحصل عليها معمل المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (سيرن)، منذ تأسيسه عام 1954، والذى يضم الآن 24 دولة منها إسرائيل التى انضمت عام 2013.

رحم الله محمد جمال الدين الفندى ومحمد عبدالسلام لما قدماه لوطنيهما وللبشرية من أبحاث رائدة فى مجالات المتناهى فى الكبر والمتناهى فى الصغر.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: أشهر الدعايات والشائعات «4-4»

شكرا للتعليق