مصطفى جودة يكتب: كتابيه «1»”عمرو موسى وجبهة الرفض”

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

شغل عمرو موسى منصب مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة (1990–1991)، ثم وزيرا للخارجية المصرية (1991 ـ 2001)، قبل أن يصبح أمينا للجامعة العربية في الفترة من 2001 ـ 2011. تلك ثمانية وعشرون عاما كاملة وحافلة في الصراع العربي _ الإسرائيلي.. الكتاب الذي نحن بصدده بعنوان كتابيه، عمرو موسي، دار الشروق، الطبعة الأولى، 2017، القاهرة. العنوان مشتق من الآية الكريمة: « فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه» 19 الحاقة. وكأن عمرو موسي يريد بذلك العنوان الالتزام بقول الحق ولا شيء غير الحق، وأنه لا يمكنه المخاطرة بوضع حرف واحد غير حقيقي في كتابه، من لحظة الميلاد في 3 أكتوبر 1936، وحتى نهاية خدمته في وزارة الخارجية سنة 2001، وفى كل الحوادث والأشخاص الذين قابلهم وعمل معهم واشتبك مع بعضهم في مسيرة حياته. هي مذكرات أراد صاحبها أن تكون مساهمته الأهم في الثقافة المصرية المؤثرة والتي يحتفي بها دائما عمرو موسي ويشخصها في مقدمة مذكراته، مصريا معتزا ومفتخرا: «جاء منا أمير الشعراء وكوكب الشرق وعميد الأدب العربي وعميد الرواية العربية وكبار الفلاسفة وأهم علماء الذرة وأكبر الموسيقيين وأشهر الملحنين وأعظم القراء والمنشدين والرسامين والنحاتين والممثلين والأسطوات من مختلف المهن.

كان كل العرب يقرأون ويشاهدون ويستمعون ويرددون ويتحدثون بما يقدمه المصريون من إبداع هو الجمال بعينه». أود أن أقول ما لم يقله عمرو موسي عن نفسه وعن حجم مساهمته بتلك المذكرات في تاريخ الثقافة المصرية، أقول: «وجاء منا عمرو موسي والدبلوماسية المصرية». مازلت أتذكر تعليقه على سؤال سأله إياه صحفي غربي عقب فوز أحمد زويل بجائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، فأجاب: « إن الأمة المصرية دائما قادرة على الإبداع والمساهمة في الحضارة الإنسانية». شخصه صاحب الشروق بقوله: « إن عمرو موسي يقدم نبضات حياة ودفقات فكر، بأسلوب سلس رشيق وجذاب تتجسد فيه متعة القراءة من السطر الأول الى الأخير. إنه يكتبها من الوثائق الرسمية التي تنطق بالحقيقة المجردة، والتي لا تقبل شكا أو جدلا ولا تحمل شبهة انحياز. هذه المذكرات إضافة حقيقية للمذكرات التاريخية للمعاصرين له». يقع الكتاب في 470 صفحة تمثل ثمانية عشر فصلا.

في البداية، كان هناك التمزق العربي عقب توقيع اتفاقية كامب ديفيد، وتكوين جبهة الرفض بزعامة العراق والدول العربية عدا عمان والصومال والسودان، نتج عنه نقل الجامعة العربية من القاهرة الى تونس، والتي لم تنته إلا في مارس 1990. عندما بدأ عمرو موسى مهمته الصعبة وسط هذا المناخ المشحون ممثلا لمصر، وضع نصب عينيه ضرورة لم الشمل العربي واستعادة الثقة في قيادة مصر داخل الأمم المتحدة وخارجها، ساعده في ذلك أنه كان يملك كل عناصر القيادة الرشيدة والذكاء إضافة الى التمتع بدهاء دبلوماسي، كما أنه لم يكن مداهنا أبدا عندما يأتي الحديث عن المبادئ، وأنه كان وطنيا ومتعاطفا مع القضايا العربية والفلسطينية. كان اتزانه الطبيعي أنه مصري ألزم نفسه بالوقوف مع الحق والدفاع عنه وعدم الخوف من الخوض في المعارك المفروضة عليه، وأنه لا يداهن في مقام المواجهة مهما كانت الإغراءات. قبل أن يسافر عمرو موسي الى نيويورك وجد نفسه يمثل مصر وسط جبهة الرفض تلك، ونصب أعينها طرد مصر من المنظمات العربية والدولية ومحاصرتها اقتصاديا وسياسيا وثقافيا لإجبارها على التراجع عن اتفاقية السلام. كان عمرو موسي مدركا لحجم لتلك القطيعة وخصوصا على القضية الفلسطينية، فجعلها أولوية قصوى وأسرها في قرارة نفسه على ضرورة استعادة الثقة في الدور المصري داخل الأمم المتحدة وخارجها وتضميد الجراح العربية والمواجهة بالحكمة بدلا من الاصطدام العنيف مع تلك الجبهة. يقول عمرو موسي عن تلك الجبهة: « كان الهجوم عنيفا على مصر في اللجنة السياسية الوزارية بمؤتمر عدم الانحياز السادس بهافانا الذي عقد في الفترة من 3 ـ 9 سبتمبر 1979، والتي كان يترأسها السفير عصمت كتاني وكيل وزارة الخارجية العراقية. حدث فى إحدى المناقشات الساخنة في هذه اللجنة، أن قال أحد المندوبين العرب: « ماذا يعني احتلال سيناء؟، هي ايه سيناء؟، مجرد شوية رمل. السياسة المصرية عشان تستعيد شوية رمل، أدت لتقسيم العالم العربي، وإعطاء الفرصة الذهبية لإسرائيل.

يقول عمرو موسي: سعدت لأن هذا الرجل منحني فرصة مواتية للرد عليه، وقدرت وقتها أن تعاطفا كبيرا سيأتي الى جانب مصر جراء هذا الكلام المتسرع فرددت عليه: «إن حبات الرمل التي تتحدث عنها باستخفاف، بالنسبة لنا أرض مصر وتراب مصر التى ضحي من أجلها الرجال بدمائهم، ورملت النساء، ويتم الأطفال لأجل استعادته. إنها جزء من الكرامة والسيادة الوطنية. اسأل دولة كذا ودولة كذا ودولة كذا، وسميت ثلاث دول من أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. قلت اسألهم عن كفاحهم وشهدائهم، ولم يجرؤ أحد على القول إنها شوية تراب. حدث تصفيق شديد عقب ردي، وفى هذه اللحظة أفقدنا «دول الرفض» الأرضية التي كانوا ينطلقون منها في هجومهم علينا. من أقواله المأثورة بهذا الصدد: « في نيويورك، لم أكن فقط مندوبا لمصر، بل صوتا للعقلانية وسط عاصفة الانفعالات الدولية». «لم أسمح أن يتحول الخلاف السياسي الى خصومة دبلوماسية. كنت أدافع عن مصر وعن العرب بقدر ما يسمح به الموقف».

gate.ahram

اقرأ للكاتب

شكرا للتعليق