لؤي ديب يكتب: لم تُهزم الغاية فينا وانما حان وقت تغير الوسيلة

الصهيونية لم تكن يوماً انحرافًا في الفكر الغربي ، بل نتيجة منطقية لثقافته الدينية والاستعمارية.

القضية الفلسطينية ليست فقط صراعًا على الأرض، بل انعكاسٌ لعلاقة الغرب بذاته وبالآخر ، علاقة تأسست على الإيمان بالخلاص، والتفوق، والتملك وانجبت جنين مشوه اسمه اسرائيل .

الصهيونية لم تولد يهودية ،  القوى الاستعمارية الغربية، خصوصًا بريطانيا وألمانيا، هي منّ شرعت في بلورة ودعم المشروع الصهيوني لأسباب سياسية ودينية وإيديولوجية لا علاقة لها باليهودية نفسها.

فجذور الصهيونية تعود إلى تيارات مسيحية تبشيرية اعتقدت أن عودة اليهود إلى فلسطين شرط لعودة المسيح، إضافةً إلى حسابات استراتيجية سعت من خلالها أوروبا إلى تثبيت نفوذها في الشرق الأوسط عبر إنشاء كيان موالٍ لها ، مجموعة من التحولات الفكرية التي جعلت من “القضية اليهودية” أداة في يد القوى الإمبريالية، طفل مدلل هي اسرائيل ،  لكنه مشوه يحمل التناقض بين شعار الصهيونية كحركة قومية حديثة وبين الوحشية الدينية الفوقية .

القضية الفلسطينينه بكل تعقيداتها تفرض علينا تحليل الظاهرة التاريخية والفكرية للصهيونية غير اليهودية ، أي الدعم الذي قدّمه سياسيون ومفكرون ورجال دين غير يهود لفكرة “عودة اليهود إلى فلسطين” منذ القرن السادس عشر حتى يومنا هذا .

هذا الدعم المستمر حتى يومنا هذا ، لم يكن مجرد تعاطف ديني، بل كان نتاجًا لعوامل لاهوتية واستعمارية وعنصرية شكّلت الموقف الغربي من اليهود ومن فلسطين ، الصهيونية لم تكن مشروعًا يهوديًا صرفًا، بل ولدت في رحم الثقافة الغربية المسيحية البروتستانتية والإمبريالية، ثم استُخدمت لاحقًا لخدمة مصالح القوى الكبرى، خاصة بريطانيا والولايات المتحدة.

سنبقى نتراجع ان لم نفهم الصهيونية غير اليهودية كـ”ظاهرة متميزة حاكمة وقادرة ” ، هذا الفهم سيؤدي الي نجاح في تفكيك خرافات اللوبي الصهيوني المهيمن على القرار الغربي، فالجذور الأعمق تكمن في التقاليد المسيحية البروتستانتية والرؤى الاستشراقية للشرق.

بدأ الامر مع ظهور البذور الفكرية في إصلاحات القرن السادس عشر، حيث أعاد البروتستانت قراءة الكتاب المقدس بعيون حرفية تستغله للدولة المدنية ، فاعتبروا أن “عودة اليهود إلى أرض الميعاد” جزء من الخطة الإلهية لعودة المسيح.

 اللوتريين والبيوريتانيين الإنجليز  رأوا في فلسطين رمزًا دينيًا وسياسيًا لتجديد العالم المسيحي ، ومن خلال حركة “الملنارية المسيحية” (Christian Millenarianism)، أصبحت فكرة “إحياء مملكة إسرائيل القديمة” هدفًا دنيويًا يتقاطع مع الاستعمار الأوروبي المبكر.

 تحوّلت فكرة “اليهود كشعب مختار” إلى مكوّن في الثقافة الغربية الحديثة، خاصة مع الثورة العلمية والإنسانية في القرن الثامن عشر.

اما القرن التاسع عشر شهد بروز “الصهيونية الإنجيلية” التي رأت في إقامة دولة يهودية أداة لتثبيت الهيمنة الأخلاقية والحضارية لأوروبا، وارتبطت هذه الأفكار بـالأنثروبولوجيا العنصرية والرومانسية القومية، التي ربطت بين الأرض والعرق والتاريخ.

غزة ابية

ثم تلاقيت المسألة اليهودية في أوروبا مع المسألة الشرقية في الإمبراطورية العثمانية ، و بدأت القوى الأوروبية ، خصوصًا فرنسا وبريطانيا تستخدم  “القضية اليهودية” ذريعة لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط ،

التاريخ يحمل شخصيات مثل نابليون وبالمرستون الذين رأوا في “إعادة توطين اليهود” وسيلة استراتيجية لتثبيت النفوذ الغربي في فلسطين والعالم العربي.

تطورت الصهيونية غير اليهودية من مشروع ديني إلى أداة سياسية استعمارية ، وسط موجة من التحولات في السياسة البريطانية تجاه الدولة العثمانية، وظهر رجال مثل جوزيف تشامبرلين، لويد جورج، وآرثر بلفور الذين ربطوا بين العنصرية الدينية والمصالح الإمبراطورية.

وعد بلفور (1917) لم يكن نتاج ضغط “يهودي”، بل تعبير عن صهيونية بروتستانتية بريطانية رأت في “الدولة اليهودية” قاعدة متقدمة للإمبراطورية في الشرق ، في ظل خوفها وقتها من ظهور المارد الامريكي كمنافس مهيمن ، فصنعت اسرائيل .

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهر مسار الصهيونية غير اليهودية في الولايات المتحدة، من فكرة “العالم الجديد كمملكة الله” إلى تبني السياسيين الأمريكيين للفكرة الصهيونية في القرن العشرين.

منذ عهد ويلسون، روزفلت، ترومان،  الي عصر ترامب ، لم يستطيع اي رئيس امريكي وقف الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل  ، لان النظام في امريكا بُني و انبثق من تصورات لاهوتية مسيحية قومية أكثر من أي دوافع “يهودية” داخلية، ثم اصبح قوة في شكل لوبي يسيطر على الرأي العام والمؤسسات السياسية .

الجذر الأخلاقي والسياسي للصهيونية، منذ ولادتها ارتبطت عضوياً بالعنصرية الأوروبية ، التى زُرعت لاحقا في كيان خليط بيد مطلقة ودعم لا محدود ، اشاع مع حرب الابادة على غزة الصهيونية الجديدة التى تفوقت في وحشيتها على النازية  والأبارتهايد في جنوب أفريقيا ، والاستعباد في العصور الوسطى والتخلف الكنسي في ظلمة اوروبا ،  من حيث النظرة العرقية للأرض والتفوق الإثني ، هذه الروابط ليست عرضية، بل نابعة من “الإيمان الغربي بتفوّق الذات الأوروبية” ، التى صُدرت لامريكا كما لجنوب افريقيا .

مع عهد ترامب في ولايته الثانية تحوّلت الصهيونية غير اليهودية إلى مكوّن دائم في السياسة الأمريكية ، خسرت الصهيونية معركة الشارع في امريكا ، لكنها رسخت “الخيال السياسي الأمريكي” حول فلسطين، واصبحت صورة “إسرائيل الديمقراطية” كرمز لهوية الغرب الحديثة ، وهيمنتها على المحيط يد امريكا الضاربة .

التاريخ السياسي، يجعلنا نجرى تشريح فكري وثقافي لضمير الغرب الحديث ، دعم الغرب للصهيونية لم ينبع من الشعور بالذنب تجاه اليهود، بل من رغبة قديمة في امتلاك الشرق باسم الخلاص الإلهي.

فهم الصهيونية يتطلب أولاً فهم الغرب نفسه دينه، تاريخه، ونزعته إلى السيطرة ، وما الذين يريده كل هؤلاء المهاويس من فلسطين خاصة والمنطقة عموما ، ان هذا الجيل يشهد ولادة الهيمنة الاستعمارية للثقافة وسياسات جديدة كي لا تسقط اسرائيل بعد ان عرتها حرب ابادتها وهرع الملايين للبحث عن الحقيقة واكتشفوا ان حكومات بلادهم خانت عقولهم بفرض التاريخ المزيف عليهم .

صهيونية جديدة لا تحمل مع ولادتها عوامل العمر الطويل ، فهذا التوسع في الهيمنة هو بداية الضعف ، ولن تجد اسرائيل سبيلا بعد ما كان منها في الاختباء خلف الاتفاقيات ، ستعمل بنشاط لتغذي العنصرية المعاصرة في كل مكان ، وة امثال نتنياهو  يشعلون شرارة حرب عالمية ثالثة كما فعلها اجداه في الاولي والثانية .

كل ما حدث وما سيحدث هو اعادة تموضع للصهيونية العالمية في الشرق من قلبه في فلسطين ، واعادة التموضع لا تعني انتهاء المشروع الذي يقف خلفه مشعوذين يسيطرون على القرار في كل العالم ولن يضيعوا فرصتهم في عصر القوة الحالي .

ما حدث من ترتيبات في غزة سيحدث بشكل معدل في جنوب لبنان و التفكيك لهرم هندسي قوي كالصهيونية لا يحتاج الي طرقات معاول تترك خدوش ، وانما لسحب الرمال وافراغ الارض من حول الاساس بفلسفة الصبر والذكاء والاستمرار في استثمار جريمة غزة ، خسرت اسرائيل سلاح ( الهولوكست النازي ) وامتلكنا نحن سلاح ( الابادة الصهيونية ) وهذا يحتاج الي عقول تحرك ايدي ناعمة لا مؤخرات تحرك ايدي خشنة .

لم تُهزم الغاية فينا وانما حان وقت تغير الوسيلة

اقرأ للكاتب

لؤي ديب يكتب: لا نفرح بما فات ولا يجب ان نُخذل بما هو آت

شكرا للتعليق