من التحالف إلى الصدام البارد: كيف تفكك الحلف السعودي- الإماراتي في اليمن؟ ومن يدفع الثمن إقليميًا واقتصاديًا؟
تقرير: د. مينا ملاك عازر – مصر
لم يعد الخلاف السعودي- الإماراتي على أرض اليمن مجرد تباين وجهات نظر، بل أصبح واقعًا سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا مفروضًا، حتى وإن جرى تغليفه دبلوماسيًا.
ما يحدث اليوم في اليمن ليس “سوء تنسيق”، بل تفكك فعلي لتحالف 2015، وانعكاس مباشر لتحولات أعمق في بنية العلاقات الخليجية ومفهوم الأمن الإقليمي.
أولًا: تحالف بلا مشروع… وانفجار مؤجل عندما أُعلن التحالف العربي عام 2015، بدا المشهد متماسكًا ظاهريًا:
السعودية قادت الحرب بوصفها معركة أمن قومي.
الإمارات خاضتها بوصفها بوابة نفوذ بحري وتجاري.
لكن تقارير مبكرة لـ Reuters وThe New York Times كشفت منذ سنوات أن التحالف لم يقم على مشروع سياسي موحد، بل على عدو مشترك فقط. ومع طول أمد الحرب، ظهر السؤال الذي لم يُجب عنه أحد:
ماذا بعد الحوثيين؟
ثانيًا: لماذا خرجت الإمارات فعلًا من التحالف؟
الخروج الإماراتي لم يكن انسحابًا، بل تمردًا ناعمًا على أهداف التحالف:
رفض الاستنزاف العسكري وفق تحليلات نشرتها Financial Times، اعتبرت أبوظبي أن اليمن تحوّل إلى حرب بلا أفق، وأن البقاء فيها عسكريًا استنزاف بلا مقابل.
التحول إلى استراتيجية السيطرة لا الشراكة الإمارات أعادت تموضعها حول:
الموانئ
الجزر
السواحل
وهو ما تُرجم بدعم مباشر لقوى محلية جنوبية، وعلى رأسها المجلس الانتقالي الجنوبي، خارج إطار الحكومة المعترف بها.
العداء الأيديولوجي مع الإخوان المسلمين
حزب الإصلاح كان نقطة الانفجار. الإمارات رأت فيه خطرًا استراتيجيًا، بينما قبلته السعودية كحليف اضطراري. هذا الخلاف لم يكن تفصيليًا، بل بنيويًا.
تقارير Associated Press وThe Guardian وصفت المشهد بوضوح:
تحالف في العلن… وصراع نفوذ على الأرض.
ثالثًا: السعودية تغيّر الهدف… وتخفض السقف
السعودية لم تعد تقاتل من أجل “النصر”، بل من أجل تقليل الخسائر:
مفاوضات مباشرة مع الحوثيين.
خفض مستوى العمليات العسكرية.
تقليص الرهان على وكلاء محليين غير منضبطين.
هذا التحول، الذي أكدته تقارير Reuters وBloomberg، يعني شيئًا واحدًا:
الرياض لم تعد ترى في اليمن ساحة حسم، بل ملف إدارة أزمة.
رابعًا: إيران… الرابح بلا مواجهة
إيران لم تطلق رصاصة إضافية، لكنها خرجت بأكبر مكاسب:
الحوثيون أصبحوا طرفًا تفاوضيًا.
التحالف المقابل تفكك.
البحر الأحمر بات ورقة ضغط.
تقارير Brookings Institution تؤكد أن طهران استثمرت الانقسام الخليجي أكثر مما استثمرت الحرب نفسها.
خامسًا: من اليمن إلى السودان… الخريطة واحدة
التحركات الإماراتية لا تُقرأ بمعزل عن السودان.
تقارير The Wall Street Journal وAFP تحدثت صراحة عن:
تمدد نفوذ إماراتي على طول البحر الأحمر.
دعم قوى سودانية بعينها.
تعارض ذلك مع الرؤية المصرية للأمن القومي.
المعادلة واضحة:
اليمن، السودان، البحر الأحمر = مسرح واحد.
وأي اختلال فيه يصيب القاهرة مباشرة.
سادسًا: التأثير المباشر على الاقتصاد المصري
هنا تصبح السياسة مالًا صريحًا:
قناة السويس
أي تهديد في باب المندب يرفع:
تكاليف التأمين
زمن الشحن
مخاطر المرور
وهو ما يضغط على إيرادات القناة.
استثمارات الخليج في مصر
حالة التوتر غير المعلنة بين حلفاء الأمس تجعل:
الاستثمارات أكثر حذرًا
القرارات أطول
والمشاريع الكبرى رهينة الحسابات السياسية
الاقتصاد المصري ككل
عدم استقرار الإقليم يرفع كلفة التمويل، ويضغط على العملة، ويجعل أي تعافٍ اقتصادي هشًا.
سابعًا: النفط… بوصلة التوتر
تقارير Bloomberg تؤكد أن:
أي تصعيد بحري يرفع أسعار النفط فورًا.
لكن غياب حرب شاملة يمنع استقرارًا طويل الأمد للأسعار.
النتيجة المتوقعة:
نفط متقلب، وأسواق عصبية، واستثمارات تبحث عن ملاذات آمنة.
ثامنًا: العلاقات الخليجية… إلى أين؟
لا أحد يتحدث عن صدام علني، لكن الواقع يقول:
الثقة تآكلت.
التحالفات لم تعد مضمونة.
كل دولة تعمل وفق خريطتها الخاصة.
اليمن كشف ما كان مخفيًا:
التحالفات الخليجية لم تعد أيديولوجية ولا أمنية، بل حسابية باردة.
خلاصة صادمة
ما يحدث في اليمن ليس أزمة يمنية، ولا خلافًا عابرًا بين حليفين، بل زلزال يعيد تشكيل الإقليم:
تحالفات تتفكك
نفوذ يُعاد توزيعه
واقتصادات تدفع الثمن
وفي قلب هذا كله، تقف مصر أمام اختبار صعب:
كيف تحمي أمنها واقتصادها، في إقليم لم يعد يعرف الأصدقاء الدائمين، بل المصالح المتحركة.
هذه ليست نهاية قصة اليمن…بل بداية فصل أخطر في قصة المنطقة كلها.
اقرأ ايضاً
العاصمة الإدارية والعلمين الجديدة ورأس الحكمة


