مصطفي التوني يكتب: النية في إنجاب الذرية.. السر الغائب وراء صلاح الأجيال

تتعاقب الأجيال جيلاً تلو الآخر، ويكاد ينعقد الإجماع على حقيقة يشعر بها الجميع: أن كل جيل يأتي بتحديات أخلاقية وسلوكية أشد مما قبله وإذا طُرح هذا الموضوع للمناقشة لوجدت الغالبية العظمى تُرجع هذا التراجع إلى “الغزو الثقافي”، والتطور التكنولوجي، وانفتاح السموات الذي غيّر عادات المجتمعات ومحا كثيراً من تقاليدها، ولكن وإن كانت هذه الأسباب حقيقية وواقعية، إلا أن هناك سبباً أعمق بكثير يغفله الكثيرون. سببٌ لو تحقق لكان حصناً منيعاً وحرزاً لهذا الجيل من أي مؤثرات خارجية مهما بلغت قوتها؛ هذا السبب هو ما أطلق عليه العلماء والمربون: “صلاح النية في طلب الولد”

نيات الأنبياء والصالحين في طلب الذرية

المتأمل في سير الأنبياء والصالحين يجد أنهم كانوا أحرص الناس على عقد النية الصالحة قبل الإنجاب، بخلاف ما يعقده الناس اليوم؛ فإذا سألت أحداً في زماننا: “لماذا تريد الإنجاب؟”، لجاءك الجواب غالباً: “أريد ولداً يحمل اسمي، ويرثني، ويكون سنداً لي في هذه الدنيا “وهي مقاصد دنيوية غريزية مشروعة، لكنها لا تصنع جيلاً صالحا.

 والمعني الحقيقي للنية الصادقة يبرز جلياً في تتبع نيات الانبياء والصالحين ففي الحديث الذي رواه البخاري، أن النبي ﷺ قال: «قالَ سُلَيْمانُ بنُ داوُدَ عليهما السَّلامُ: لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ على مِائَةِ امْرَأَةٍ -أَوْ تِسْعٍ وتِسْعِينَ- كُلُّهُنَّ تَأْتي بفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبيلِ اللَّهِ، فَقالَ له صاحِبُهُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَمْ يَقُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَمْ تَحْمِلْ منهنَّ إلَّا امْرَأَةٌ واحِدَةٌ، جاءَتْ بشِقِّ رَجُلٍ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لو قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، لَجاهَدُوا في سَبيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعِينَ». الشاهد هنا، أنه وإن لم يتحقق المراد لترك الاستثناء، إلا أن النية الأصلية كانت تجريد القصد لله بطلب فرسان يجاهدون في سبيله.

وايضا نبي الله زكريا -عليه السلام-: حينما أراد الذرية وتوجه بالدعاء، لم يطلب مجرد امتداد نسبي، بل قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ}، فكانت الاستجابة بيحيى عليه السلام؛ سيداً، ونبياً، وحصوراً، محاطاً بكل مقومات الاستقامة ببركة تلك النية الطيبة .

لم يقتصر حسن النية على الرجال بل تجسد في النساء أيضاً؛ فهذه امرأة عمران تنذر ما في بطنها خالصاً لله ولخدمة دينه، فقالت: {رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَك مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّك أَنْتَ السَّمِيع الْعَلِيم}.

مصطفي التوني يكتب: فن الإدارة بين النظرية والتطبيق

أثر غياب النية الصالحة في واقعنا المعاصر

إن غياب هذه النية الصادقة والغاية الأسمى عنا جميعاً هو السبب الرئيس في شقاء الأجيال الحالية؛ فمن نبت على نية الرغبة في الفخر الدنيوي، أو المباهاة، أو لمجرد مجاراة العادات الاجتماعية، نبتت ذريته هشة أمام رياح الشهوات والشبهات وعندما تغيب النية الصالحة، يغيب معها التوفيق الإلهي، فيصبح الأبناء فريسة سهلة لكل مؤثر خارجي؛ تقاذفهم التكنولوجيا، وتتلاعب بعقولهم الأفكار الدخيلة، لأنهم حُرِموا من “الدعاء والنية” التي تمثل الحصن الروحي قبل الحصن التربوي.

كيف نستقبل أجيالنا بنية صالحة؟

إن إصلاح الأجيال القادمة لا يبدأ من قاعات الدراسة، ولا من سن القوانين، بل يبدأ من “مضاجع الآباء” ولحظات التضرع الأولى. ولكي نعيد صياغة المستقبل، وجب على كل مقبل على الزواج أو الإنجاب أن يصحح مقصده عبر خطوات عملية اهمها :-

– تجريد القصد لله

 كأن تنوي بالإنجاب تكثير أمة النبي ﷺ، وترك عبدٍ صالح يستغفر لك بعد موتك، وولدٍ يحمل همّ دينه ونفع مجتمعه.

– الاستعاذة النبوية قبل اللقاء:

الحرص على الذكر المأثور (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا)؛ فإنها أولى خطوات التحصين.

– الدعاء الصادق قبل التفكير في الإنجاب.

ألّا يفتر اللسان عن دعاء الأنبياء بطلب “الذرية الطيبة” و”الولد الصالح” لا مجرد الولد فقط.

مصطفي التوني يكتب: هكذا يجب أن يكون النائب

يا ساده إن فساد الأجيال ليس حتماً مقضياً لا يمكن دفعه، بل هو نتاج طبيعي لإهمالنا الجانب الغيبي والروحي في التربية. فإذا أردنا جيلاً يعيد للأمة مجدها، ويقف ثابتاً كالجبال أمام عواصف التغريب، فلنبدأ بأنفسنا أولاً، ولنعقد مع الله نية صادقة؛ فمَن صَدَقَ اللهَ صَدَقَهُ، ومَن استودع الله ذريته بنيّة خالصة، تولى الله حفظهم ورعايتهم في أزمان الفتن.

اقرأ للكاتب

مصطفي التوني يكتب: “الحدود متزعلش”مش كده ولا إيه ؟

شكرا للتعليق