عندما تصبح الرياضة أداة تسويق لتعزيز العلامة التجارية

لطالما جذبت دول مجلس التعاون الخليجي السياح بفضل جمالها الطبيعي وتراثها الغني وتنوع الأنشطة العائلية التي توفرها. ومع ذلك، فقد برز في السنوات الأخيرة ركيزة جديدة للسفر تجذب الزوار إلى المنطقة، ألا وهي “السياحة الرياضية”. ويُقصد بالسياحة الرياضية تجربة السفر التي يخوضها السائح، سواء كان ذلك بمشاهدة حدث رياضي كمتفرج أو بالمشاركة الفعلية فيه. وقد أصبحت هذه السياحة أداة قوية لتعزيز العلامة التجارية للوجهات السياحية حول العالم؛ إذ يُتوقع أن ينمو حجم سوق سياحة الرياضة العالمي من 927.9 مليار دولار أمريكي في عام 2026 ليصل إلى 2,776.7 مليار دولار بحلول عام 2033، وذلك بمعدل نمو سنوي مركب يبلغ 17%.
وتكتسب دراسة آفاق هذا النوع من السياحة العالمية أهمية خاصة بالنسبة لوجهات دول مجلس التعاون الخليجي؛ إذ يشير تقرير صادر عن شركة «بي دبليو سي» إلى أن قطاع الرياضة يساهم حالياً بنحو 600 مليار دولار أمريكي في اقتصاد الشرق الأوسط، مع تسجيل معدل نمو سنوي يبلغ 8.7%. وفي ظل هذا النمو المتسارع، إلى جانب توجه دول المنطقة نحو تنويع اقتصاداتها وتعزيز مصادر الإيرادات غير النفطية، تبرز السياحة الرياضية كفرصة واعدة ذات أهمية متزايدة لدعم النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل.
علاوة على ذلك، تتجاوز القيمة الاقتصادية والترويجية للرياضة عائدات مبيعات التذاكر بكثير؛ إذ تستقطب الفعاليات الرياضية الكبرى الزوار من مختلف أنحاء العالم، إلى جانب جماهير البث التلفزيوني والرياضيين والرعاة، فضلاً عن اهتمام وسائل الإعلام الدولية. وفي هذا السياق، تتحول المدينة المضيفة إلى جزء لا يتجزأ من المشهد الرياضي، حيث تظهر معالمها وأفقها العمراني وفنادقها ووجهاتها الثقافية والسياحية بالتزامن مع تغطية المنافسات، ما يمنحها حضوراً عالمياً واسعاً وقيمة ترويجية يصعب تحقيقها عبر وسائل التسويق التقليدية.
وتُعد دولة الإمارات نموذجاً بارزاً في هذا المجال من خلال استضافتها لسباق جائزة أبوظبي الكبرى للفورمولا 1 (طيران الاتحاد)؛ فقد استضافت حلبة مرسى ياس السباق منذ عام 2009، لتصبح واحدة من أبرز المنشآت الرياضية الدولية في أبوظبي. كما يندرج هذا الحدث ضمن المنظومة السياحية المتكاملة في جزيرة ياس، حيث يمكن للزوار الجمع بين حضور السباق والاستمتاع بمدن الملاهي، والأنشطة الترفيهية، وخدمات الضيافة، وغيرها من تجارب الترفيه؛ مما يشجع المسافرين على اعتبار سباق الجائزة الكبرى جزءاً من عطلة شاملة في أبوظبي، بدلاً من النظر إليه كحدث رياضي منفصل ومستقل.
إن هذا الرابط بين الرياضة وتجربة الزائر الشاملة هو المفتاح لتحقيق ترويج فعّال للوجهة السياحية؛ فقد يكون الحدث الرياضي هو الدافع الأولي للسفر، لكن الوجهة نفسها هي التي تحدد ما إذا كان الزوار سيمددون إقامتهم، أو يستكشفون معالم أخرى، أو يفكرون في العودة مرة أخرى. وبناءً على ذلك، يمكن للفنادق والمطاعم ومناطق التسوق والمواقع الثقافية والمرافق الترفيهية الاستفادة من تدفق الزوار الذي يولده هذا الحدث.
“الدوبامين”.. المتهم الأول وراء فقدانك لدوافع ممارسة الرياضة
لقد نجحت قطر أيضاً في استثمار هذه الفرصة، وهي تواصل جني الثمار الاقتصادية لاستضافتها بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2022؛ إذ حضر المباريات أكثر من 3.4 مليون متفرج، في حين استقطبت منطقة المشجعين (FIFA Fan Festival) في الدوحة أكثر من 1.8 مليون زائر. وعلاوة على ذلك، استقبلت قطر أكثر من 2.56 مليون زائر بحلول شهر أغسطس 2023، مسجلةً بذلك زيادة بنسبة 157% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2022. وقد اعتبرت “قطر للسياحة” بطولة كأس العالم عاملاً رئيسياً في تعزيز الحضور الدولي للبلاد؛ إذ تبرز هذه الفعاليات كيف يمكن لحدث رياضي ضخم أن يشكل بوابة للتعريف العالمي بوجهة سياحية ما، مما يولد وعياً يمكن لهيئات السياحة البناء عليه من خلال حملات وفعاليات لاحقة.
وتتبنى المملكة العربية السعودية استراتيجية مماثلة في إطار طموحاتها الأوسع المتعلقة بالسياحة وتنويع الاقتصاد؛ فقد ساهمت فعاليات مثل سباق الفورمولا 1 في جدة، ورالي داكار، وسباق الفورمولا إي، ومنافسات الغولف الاحترافية، وبطولات كرة القدم الدولية، في تسليط الضوء على المدن والمعالم السعودية أمام الجماهير العالمية. فعلى سبيل المثال، عزز سباق الجائزة الكبرى في السعودية الطلب على خدمات الفنادق والطيران والضيافة وتجارة التجزئة والخدمات الأخرى في مدينة جدة، فضلاً عن ترسيخ مكانة المدينة كوجهة دولية للرياضة والترفيه.
هرمون ينتجه الجسم خلال ممارسة الرياضة يعالج هذه الأمراض
علاوة على ذلك، تمنح الرياضة الوجهات السياحية ميزة بالغة الأهمية في عالم التسويق الحديث، تتمثل في قدرتها على تقديم «قصص متجددة» باستمرار. فاستضافة فعاليات سنوية، مثل سباقات الفورمولا 1 والماراثونات وسباقات الدراجات الهوائية وبطولات التنس، تتيح للوجهة فرصة متكررة لاستقطاب الاهتمام الإعلامي وتعزيز حضورها على الساحة العالمية عاماً بعد عام. ومع ترسخ هذه الفعاليات بمرور الوقت، يمكن أن يصبح ارتباط الرياضة بالمكان عنصراً أساسياً في هوية الوجهة وصورتها لدى الجمهور العالمي.
وتكمن الفرصة المقبلة أمام وجهات دول مجلس التعاون الخليجي في ترسيخ السياحة الرياضية كركيزة أساسية ضمن استراتيجياتها السياحية، من خلال ربط الفعاليات الرياضية بصورة متكاملة بقطاعات الضيافة والثقافة والترفيه وتجارة التجزئة والتجارب المحلية. وإلى جانب استضافة البطولات والمنافسات الدولية الكبرى، يمكن للوجهات تنظيم فعاليات رياضية تشاركية أصغر حجماً، مثل سباقات الجري والدراجات وبطولات الغولف ورياضات المغامرة، بما يسهم في تنويع التجارب السياحية واستقطاب الزوار على مدار العام. وفي نهاية المطاف، يرتكز نجاح بناء العلامة السياحية لأي وجهة على قدرتها على خلق تجارب وروابط مميزة تظل راسخة في أذهان الزوار، وهو ما يجعل السياحة الرياضية أداة فعالة لتعزيز هوية الوجهة وترسيخ حضورها على الساحة العالمية.
اقرأ ايضاً
دراسة: الرياضة تمنحك 10 سنوات من اللياقة

