رمضان الحضري يكتب : شاعرات من مصر

إذا كانت أمنية امرأة ما أن تتساوى مع الرجل فهي امرأة غير طموحة بالمرة ، طالما أن هناك رجلا يمكنه أن يقوم بما تقوم به ، والحق أن هناك سيدات تسيطر في الفنون على المستوى العالمي ، ويكفي أن أخبر سيدات مصر أن الكاتبة / ج . ك . رولينج تعتبر أغلى كاتبة في العالم أجراً ، حيث تحصل سنويا على ما يزيد عن 19 مليون دولار عن كتاباتها ، وهي صاحبة سلسلة روايات هاري بوتر ، وقد باعت عدد 45 مليون نسخة من رواياتها .

وأن الكاتبة الامريكية / دانيل ستيل أكثر الكاتبات شعبية في العالم ، حيث باعت من رواياتها ما يزيد عن 800 مليون نسخة ، وهذا الرقم تخطى كل المؤلفين والمؤلفات الأحياء منهم والأموات .

ناهيك عن الكاتبة / توني موريسون التي حصلت على نوبل في الآداب عام 1993م ، والكاتبة / سفيتلانا ألكيس التي حصلت على نوبل عام 2015م ، والكاتبة / ماري كلارك التي طبعت روايتها ( تذكرني ) 75 طبعة وانتشرت كأشهر رواية تشويقية في العالم .وليست المرأة العربية أقل تأثيرا في عالمها من المرأة الأوربية فهناك المثقفة / فاطمة بنت إسماعيل التي بنت جامعة القاهرة ، وقوت القلوب الدمرداشية التي بنت جامعة عين شمس ، وبنت الشاطئ / عائشة عبدالرحمن أول من كتبت عن التفسير الموضوعي للقرآن الكريم وبنت مصر / نعمات أحمد فؤاد ، وسميرة موسى وبنت البادية / ملك ناصف وغيرهن كثيرات في التأثير في المجتمع المصري والعربي على حد سواء .

وحينما أتناول شعر الشعراء أمثال عبدالعزيز جويدة وعلي عمران وعاطف الجندي والسيد زكريا ( من مصر ) وأحمد آل مجثل الغامدي وعلي العريفي ( من السعودية ) وعباس شكر وعلي حميد لحمداني ( من العراق ) ، سوف أتناول أشعار إلهام عفيفي وفوزية شاهين

وشريفة السيد وسكينة جوهر ( من مصر ) وعائشة البلوشي وعائشة الجامعي ( من سلطنة عمان ) وازدهار الطيار ( من الأردن ) وغيرهن كثيرات .

أعلن للقارئ أن العظيم محمد عبدالوهاب في الغناء لا يغنينا عن أم كلثوم وفيروز ، والعظيم عمر الشريف في التمثيل لايغنينا عن فاتن حمامة ، كما لا يغني شعر حسان بن ثابت عن شعر الخنساء ، ولم يغن شعر امرئ القيس عن شعر جليلة بنت مرة .

إن الذين يفهمون أن هناك شعرا نسائيا وآخر ذكوريا وفنا نسائيا وآخر ذكوريا واهمون حقا ، ولكن هناك فرصا أكبر تمنح لقوم دون قوم ، ولا أظن أن امرأ القيس كان أعظم شعراء الجاهلية ، ولا المتنبي أعظم شعراء العصر العباسي ولا ابن زيدون أعظم الأندلسيين شعرا ، ولكن هؤلاء كانوا يمتلكون الفرص الكبرى للظهور عن أقرانهم ، وعندنا الأمثلة الحية في حياتنا أمام العين ترى ، وفي صحن الاذن تُسمع ، فالصحفي أحمد عبدالمعطي حجازي لايزن شعره كيلو جراما من القش المبلل الذي لايصلح للتدفئة ولا تحت أرجل الماشية لكن فرصته في أن يُذكر مجاملة أو خوفا أكبر من فرصة أمير الشعراء أحمد شوقي ، وغناء شاكوش ومحمد رمضان يجمع مالا في الحفلة الواحدة أكثر مما جمعت أم كلثوم وعبدالوهاب وفيروز طوال حياتهم ، نعم المقياس مختل منذ زمن بعيد ، وهذا الاختلال يعني أن هناك جذورا قوية للمنتفعين من بيع ثقافة الأمة العربية عبر كل العصور ، وهو مالم يحدث في المجتمعات الغربية على الأقل في العصر الحديث ، حيث كتبت سيدة الأعمال الامريكية / ليلي كلمات ظنتها شعرا وأرسلت بها إلى مجلة الشعر الأمريكية طمعا في نشرها ، لكن رئيس التحرير وجد أن كلامها لا يرقى لمستوى الشعرية فرفض النشر وأرسل لها خطابا بضرورة أن تتعلم الشعر أولا قبل أن ترسل كلاما لا يصلح أن يكون شعرا ، فكان ردها أن تبرعت لمجلة الشعر الأمريكي بمبلغ 100 مليون دولار لتستمر المجلة في تقديم خدماتها للجمهور الأمريكي والعالمي .

حينما أقول إن عبدالعزيز جويدة كتب قصيدة بعنوان ( عودي لحبك في المساء ) ، ويقول فيها :

قُولوا لِمَن سَرقَتْ فُؤادي في المساءِ تُعيدُهُ

(أحسَنْ لَها)

أخذَتْ قليلاً من كثيرٍ

كلُّهُ مِلكٌ لها

إن الذي يومًا عليها دَلَّني

قد دلَّها

قُولوا لأروعِ سارِقةْ

قولوا لأجملِ عاشِقةْ

قولوا لسارقةِ الفؤادِ حَبيبتي

ما لِلوُشاةِ ومالَها ؟

أخذتْ نَصيبًا مِن حياتي

والذي خلقَ السماءَ بلا عمَدْ

كلُّ الحياةِ أعيشُها من أجلِها

أحببتُها وأُحبُّها ولأجلِها

أحببتُ أهلَ الحيِّ

أعشقُ أهلَها

وعَشِقْتُ واللهِ الشوارعَ والحواري والأزقَّةَ

كُلما أمشِي لها

وأكونُ وحدي ماشيًا

فإذا نظرْتُ تِجاهَ ظِلِّي باسمًا

أجدُ الذي لي قد تَبسَّمَ ظِلُّها

فأنا السماءُ تُظِلُّها

وأنا تُرابُ الأرضِ حِينَ يُقلُّها

أرجوكُمُ

قُولوا لها

عُودي لحُبِّكِ في المساءْ

أنتِ التي لا بعدَها أو قبلَها

أنتِ الحبيبةُ دائمًا في بُعدِها

أو قُربِها

أنتِ التي عجَزَ الوجودْ

عن أن يُحاكي مثلَها

أرجوكِ عودي في المساءِ حبيبتي

كي تأخذي مني الفؤادَ وفوقَهُ

أيامَ عُمري كلَّها

ويصنع الشاعر نهرا كبيرا مطرزا بجميع فواكه الشعر من المونولوج والبارلوج والحوار هذا من ناحية التشكيل الفني للنص ، ويبني على الضفتين متحفين من الصور المبتكرة والمحتملة وغير المحتملة ، ويسيل ماء الحروف هادئا راقصا كأنما يعزف سيمفونية على أوتار الأضواء ، نازلة وصاعدة من السماء وإلى السماء ، ويستخدم المفردات على غير المباشرة وربما وصلت لحد التضاد ، ومنذ البدء ( أحسن لها ) هو لفظ تهديد في العامية المصرية ، لكنه يستخدمه هنا للاستعطاف ، مما يجعل شعره متمايزا حد تمايز السماء عن الأرض ، وتمايز المنقض عن المنفض .

ولا يغني شعره مع كل هذه التشكيلات والمحتويات عن شعر الشاعرة / إلهام عفيفي في قصيدتها ( قال لي ) ، والتي تقول فيها :

جربتُ جميع بحور الشعرْ

وأقلبُ في الكلمات وفي الأوزانْ

بحثاً عن معنى يخبرني أني أهواك

سرتُ في الغرفة أفحص كل وساداتي

وأطل من الشباك

كي أثبت أن النور تبعثه عيناك

وأطوف شوارع بلدتنا

بحثا عن ظل يشبه ظل رموشك

عن أي جمال في الأشجار أو الأزهار

أو ضحكة ورد حين يراك

وجهك طرزه عزف الناي

وشهقة طير حين رآك

تختبئ النجمات بخصرك

حين تضيق عن الأضواء مدارات الأفلاك

يا أجمل سنبلة حين تجوع الذاكرة برأسي

كوني أجمل وردات الكون

فسوف تصونك أشواكي

آذان الفجر بصوتكِ أنتِ

يعلن عن إيمان الدنيا

أن الله .. من سواكِ

يعلن أنك سيدة فوق العادة

حين يفكر فيكِ حبيب

لا نقطع أبداً أفكاره

نتركه يحج ويعتمر ليؤدي عبادة

من غيركِ يختل الكون بأجمعه

وتظل الأسئلة بغير إجابة

ويظل الحزن لنا وطناً وتفر سعادة

جَفنُكِ من أعطى الأمر لألوان الورد

وحدد درجات الألوان

من أخرجني من وطن الأحزان

حُبكِ أشعرني .. أني إنسان

وضفائر شعركِ

من علمت الريح كيف يثور

علمت الطير كيف يطير

أجرت في الأسلاك كهارب

كي يخرج منها النور

خَدُكِ قد غَيّرَ كل النظريات العلمية

ما عادت تجدي في هذا الكون أية نظرية

خَدُكِ من أعلن يوم سقوط النسبية

من أنهى بث القنوات الأرضية

من فجر كل خيال العلم

لصالح كل البشرية

ويداكِ خطُ لقاء بين الشرق وبين الغرب

تتساقط منها حبات الثلج لتروي العشب

تعلن ميثاقاً للعشق .. ميثاقاً أكبر للحب

بيديك مفاتيح كبرى توقف ويلات الحرب

حين عرفتكِ ياسيدتي

ما عادت مشكلة في الطقس

ما عادت أية مشكلة في ثقب الأوزون

طهرت كل هواء الجو

طهرت حتى مياه الشرب

والله لا أعلم عمري

أو أعرف لي لحظة ميلاد

أرسلكِ الله لتعطيني

عمراً وشباباً قد عاد

لو كنتِ ذهبتِ لفرعون

لأجابك فرعون وعاد

يا أكبر معجزة تمشي

قد صرتِ للكون عماد

عجزي عن حبك يقتلني

يجعلني رماداً برماد

تعبيري عن حبي خوف

سأغير كل تفاصيلي

أشعاري ضاعت من قبلك

في وصفي لهند وسعاد

لو يدرك بشر من أنتِ

فسيسلم أعضاء الموساد

قالوا لي أنك لؤلؤة

طلعت من نهر في الجنة

فإمام يفرض نظرتها

وإمام يجعلها سنة

نظراتك في وجهي عطف

وسواء عطفكِ والمنة

فأرتل اسمكِ في جهري

وأطيل المد أو الغنة

وأُقلب اسمكِ في الصرف

بحروفكِ موسيقى ورنة

تخضر شفاهي بأحرفكِ

وإذا أرسمها في ورقي

تتلون كفي بالحنة

قد عشت حياتي منتظراً

وظللت سنينا وسنين

مولدك آذان الفجر

أسعدني إذ كنت حزين

أخرجني من جوف الليل

لجمال صباح ميمون

ونسيتُ مرارات الصبر

عيناكِ في أول لحظة

باحت بالسر المكنون

تأخذني من جوف ظلامي

أوحت لي حبا لأكون

مختتماً بنبوءة عشقي

فيصير العشق بلا قانون

سأصحح كل النحو وكل الصرف

وجميع معاني الكلمات

حبكِ يا عمري في الدنيا

نوراً يخرجها من الظلمات

سيجفف أوجاع الثكلى

ينسيهم كل الآهات

وسينهي كل مشاكلنا

ويزيل جميع العقبات

نص شعري كمنجم من مناجم الجواهر ، فالتشكيلات فيه تجعل النص مؤسسة كبيرة للذهب والماس ، ومعرضا شاسعا للزهر والآس ، ومدينة متعددة الأبواب ، تقع على ربوة تصل السحاب، ففي الإيقاع موسيقا فاعلن وفاعل وذفعلن متنوعة ، وفي التصوير صور الحياة الاجتماعية جلية ورائعة ، فمن التاريخ للثقافة ومن الدين للصحافة ، ومن المعيش يوميات ، ومن الأفكار ملفات حتى لنظن الشاعرة ، أمسكت الكرة الأرضية في يمينها ، وتدرك كل ما بها وكأنها مرجع للجي بي إس ، فهي تعرف مشكلات المياه والطقس ، ومشكلات الاحتلال والحبس ، وتسمع دبيب النمل على حجر الصوان ، وصوت مؤذن الفجر عند الأذان .

وهكذا تكون الشاعرات العربيات جنبا إلى جنب مع شعراء العرب .

وسوف أتناول في المقال القادم بأمر الله تعالى شعر الشاعري أحمد آل مجثل الغامدي ( من السعودية ) وشعر الشاعرة / شريفة السيد من مصر ، طمعا في استجلاء المشهد الشعري العربي النسوي ، مع التمثيل بأحد الشعراء .

شكرا للتعليق على الموضوع