أنس الشريف… ذاكرة لا تموت في وجدان ماليزيا

صحفي وكاتب مهتم بشؤون جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور
في العاصمة الماليزية كوالالمبور، وتحديدًا في ساحة الاستقلال (داتاران ميرديكا)، ، حمل صحفيون وناشطون صور الشهيد أنس الشريف، مراسل قناة الجزيرة، الذي اغتيل برصاص الاحتلال الإسرائيلي، وصورًا لزملائه من الصحفيين الفلسطينيين الذين سقطوا في ميادين الكلمة.
لم تكن هذه الصور مجرد لوحات على ورق، بل تحولت إلى أصوات موحّدة تعلن فعلَ تحدٍ بأن الذاكرة والمقاومة قادرتان على اجتياز الأسلاك الشائكة والحدود المصطنعة. الكاميرات التي أُسقطت في غزة نهضت هنا من جديد، لتؤكد أن الضوء لا ينطفئ، وأن غياب الجسد لا يعني موت الرسالة.
اغتيال أنس الشريف، مع خمسة من زملائه الإعلاميين قرب مستشفى الشفاء في مطلع أغسطس 2025، لم يكن مجرد جريمة موضعية، بل كان زلزالًا أخلاقيًا دوّى صداه من أزقة غزة حتى قلب كوالالمبور.
وفي ساحة الاستقلال، احتشد شهود الحقيقة وحَمَلة الوعي متشحين بالسواد، ليحوّلوا الحزن إلى عهد، ويثبتوا أن الكاميرا التي سقطت على تراب غزة قد وجدت امتدادها في ماليزيا. هناك، صارت ذكرى أنس الشريف مرآة لمقاومة لا تُمحى؛ كل شمعة أُضيئت، وكل صورة نُصبت، تحولت إلى رمز لمواجهة النسيان ورسالة أن العدالة لا تُحاصر بخطوط جغرافية.
الأرقام شاهدٌ على الذاكرة
هذا الصدى لم يكن عاطفيًا فحسب، بل موثقًا بالأرقام. فالمكتب الإعلامي الحكومي في غزة أعلن أن 237 صحفيًا قُتلوا منذ أكتوبر 2023، في سياق استهداف ممنهج لحملة الكلمة. وفي ماليزيا، جاءت الأرقام لتكشف بوصلة الوعي: فاستطلاع مركز للدراسات بيّن أن 64.4% من الماليزيين رأوا أن الهجوم الإسرائيلي على غزة “تجاوز كل الحدود”، فيما أظهر استطلاع آخر أم 46.7% اعتبروا الدعم الأميركي لإسرائيل العامل الأكثر تهديدًا لاستقرار العلاقات الثنائية. أرقام لا تعكس موقفًا سياسيًا عابرًا بقدر ما تكشف مجتمعًا يقيس العالم بميزان الضمير لا بمصالح الحسابات.

وفي لحظة قراءة وصية أنس الشريف الأخيرة، التي أوصى فيها زملاءه بأن “الحقيقة جديرة بالحماية، حتى وإن سقط من يحملها”، تحوّل المكان إلى وعاء للذاكرة وفضاء للضمير. عندها أدرك الماليزيون أن تكريم الصحفيين ليس استذكارًا صامتًا، بل فعل مقاومة، وأن السكوت شراكة في الجريمة. كانت أصوات “ساحة الاستقلال” أشبه بجوقة جماعية تتردد في جنوب شرق آسيا، شاهدةً أن اليقظة الأخلاقية لا تُحاصر بحدود.
المقاومة الأخلاقية عبر الحدود
لم يكن تضامن ماليزيا فعلًا عاطفيًا عابرًا، بل كان موقفًا فلسفيًا ومدنيًا يرفض ترك الظلم بلا مساءلة.رئيس الوزراء أنور إبراهيم وصف مأساة غزة بأنها “اختبار لضميرنا الإنساني المشترك”، مؤكدًا أن الصمت لم يعد خيارًا. هذا الوضوح الرسمي التقى مع مبادرات المجتمع المدني. فقد تحدث إليّ كمار عارف، ممثل حركة (هزة) Gegar الماليزية، خلال التجمع عن أن الوقفة تحت شعار “جنوب شرق آسيا موحدة من أجل فلسطين” لم تكن مجرد تعبير رمزي، بل محاولة لحماية حرية الصحافة وتكريم الشهداء الذين استُهدفوا عمدًا في الأراضي المحتلة. قال لي عارف “فلسطين قد تكون بعيدة جغرافيًا، لكنها قريبة من قلوبنا هنا وفي جنوب شرق آسيا بأسره.”
هذا الوعي لم يبقَ محصورًا في الشعارات، بل تحول إلى فعل مدني متواصل، حيث قامت حركة (هزة) بتقديم عرائض، وتنظيم منتديات عام، وحملات توعية باللغتين الماليزية والإنجليزية، وثّقت من خلالها الانتهاكات بحق الصحفيين الفلسطينيين وربطتها بأطر قانونية وإنسانية وأخلاقية.
التضامن كفعل مستدام
لم تقتصر التجربة الماليزية على الشموع والخطب، بل تطورت إلى بنية مدنية مؤثرة في الخطاب والسياسة. فحملات حركة (هزة) المتواصلة وغيرها من الحركات والمنظمات الحقوقية والإنسانية، جعلت الرأي العام الماليزي قوة واعية، تدرك أن العنف العالمي ليس مشهدًا بعيدًا بل مسؤولية أخلاقية تتطلب المواجهة. وبالتوازي مع التوثيق والنقاشات العامة، ومع الدعم الإنساني والمرافعة عن حرية الصحافة، تكوّن نسيج اجتماعي يحوّل ذكرى أنس الشريف وزملائه إلى جدار في وجه النسيان، وإلى تحذير عالمي من تطبيع اغتيال الحقيقة.
هذا الحراك أكد أن الوضوح الأخلاقي لا ينتظر قرارات سياسية؛ بل يبدأ من المجتمع نفسه. وما حدث في كوالالمبور دليل على أن التضامن إذا تجسّد بالفعل، صار مقاومة: فالحزن يتحول إلى استراتيجية، والذاكرة إلى حركة، والرمز إلى مسؤولية.
ذاكرة لا تموت
كل شمعة أُوقدت في كوالالمبور كانت امتدادًا لعدسة سقطت في غزة، وكل زهرة وُضعت أمام صورة شهيد صحفي كانت لبنة أخرى في جدار مواجهة النسيان. صدى أنس الشريف وغيره من الشهداء لا يعيش في مرثية عابرة، بل في التزام متجدد بالحقيقة والكرامة الإنسانية. عبر ماليزيا، تعلّم العالم أن الذكرى يمكن أن تتحول إلى مقاومة، وأن التضامن ليس شعارًا احتفاليًا، بل موقفًا مستمرًا يُعيد تعريف العلاقة بين الشعوب والعدالة.
اغتيال أنس الشريف ورفاقه يكشف أن استهداف الصحافة تحوّل إلى سلاح بيد الاحتلال، ومحاولة يائسة لإسكات الرواية الفلسطينية. غير أن الدم الذي سال في غزة أعاد فتح الكاميرا في كوالالمبور وضمير العالم الإنساني، مؤكدًا أن الاحتلال قد يقتل الصحفي، لكنه عاجز عن قتل الحقيقة أو وقف سيل الوعي.
اقرأ ايضاً

