السيدة الأولى في ماليزيا تثير من الصين نقاشاً حول المصافحة والهوية

في قاعة بمدينة تيانجين الصينية الساحلية، حيث يسبق بريق البروتوكول وقع الكلمات، تحوّلت لحظة خاطفة إلى مادة جدل ممتد.
ففي حفل العشاء الرسمي لقمة منظمة شنغهاي للتعاون التي أُقيمت في مدينة تيانجين الصينية في مستهل سبتمبر 2025، مدّ الرئيس الصيني شي جين بينغ يده لمصافحة السيدة الأولى في ماليزيا وان عزيزة وان إسماعيل، زوجة رئيس الوزراء أنور إبراهيم، لكنها وضعت يدها على صدرها وانحنت بخفة مبتسمة، متجنبة المصافحة. بعدها، مدّ أنور إبراهيم يده ليصافح زوجة الرئيس الصيني بينغ لي يوان، في مشهد بدا عادياً داخل القاعة، لكنه سرعان ما تحوّل خارجها إلى محور نقاش في الإعلام ومواقع التواصل.
?غير عادي
رفضت زوجة رئيس الوزراء الماليزي أنور ابراهيم مصافحة الرئيس شي جين بينغ في قمة شنغهاي للتعاون في تيانجين 2025 pic.twitter.com/gkjmyJYlUh— الصين بالعربية (@mog_china) September 1, 2025
لم يكن الحدث بروتوكولياً في مضمونه بقدر ما كان رمزياً في دلالاته. فقد سلط الضوء على التوتر القائم بين أعراف دولية ترى في المصافحة معياراً للتقارب، وممارسات دينية وثقافية تضع حدوداً مختلفة للتواصل الجسدي. ومن هنا، حملت تلك الثواني القليلة أكثر مما تحتمل، وصارت مرآة للتباينات الحضارية.
التحية بين الدين والهوية
لم يكن تصرف وان عزيزة استثناءً، بل انسجاماً مع قناعة دينية شخصية. فالمصافحة بين الجنسين في الإسلام مسألة يفضّل كثير من النساء المسلمات تجنّبها التزاماً بالفتاوى السائدة. وما قامت به لم يكن رفضاً لشخص الرئيس الصيني، بل تحية بديلة: وضع اليد على الصدر مع انحناءة خفيفة. هذه الحركة مألوفة في المجتمعات الإسلامية، وتُفهم كوقار وحياء، وفي آسيا تُقرأ بوصفها إيماءة احترام لا تقل قيمة عن المصافحة.
غير أن للمصافحة في السياق الدولي رمزية خاصة. فمنذ العصور اليونانية القديمة، حيث اليد المفتوحة علامة على السلام، وحتى اليوم حيث تُوثّق المصافحة الاتفاقات وتُعلن المصالحات، صارت لغة شبه عالمية للثقة. ومن هنا، فإن غيابها يُقرأ أحياناً كغموض أو إشارة سلبية، حتى لو كان الدافع شخصياً أو دينياً.
المشهد الماليزي بدا متوازناً في نظر بعض المراقبين: أنور إبراهيم صافح زوجة الرئيس الصيني، مثبتاً التزام بلاده بالأعراف الدولية، بينما اختارت زوجته التعبير عن قناعتها الخاصة. هذه الثنائية ليست ارتباكاً كما يراها المتشددون، بل صورة لواقع متعدد الأبعاد، حيث يجتمع الرسمي مع الشخصي، وتلتقي الدبلوماسية مع الهوية.
الإعلام العالمي والعربي
لم تمرّ الحادثة من دون نقاش في وسائل إعلام عالمية، فقد أبرزت صحيفة (فري بريس جورنال) ردود فعل متباينة، حيث انتقد بعض المعلّقين التناقض بين امتناع وان عزيزة عن مصافحة الرئيس شي وبين مصافحة أنور إبراهيم لزوجته بينغ لي يوان، وذهبوا إلى وصف ذلك بـ”النفاق” أو انعكاس لهيمنة ذكورية تُقيّد المرأة بينما يتمتع الرجل بمرونة أكبر. النقاش كشف هشاشة التوازن بين الالتزام الديني والتوقعات الاجتماعية، وكيف تُحمَّل التفاصيل الرمزية أثقالاً كبرى.
لكن الجدل الأوسع انفجر في الفضاء العربي الرقمي. فقد تداولت منصات مثل الجزيرة نت والصين بالعربية الخبر، لتنهال التعليقات بين من رأى في تصرف وان عزيزة موقفاً إسلامياً مبدئياً يعبّر عن الحياء والوقار، ومن اعتبر الانحناءة شبهة “ركوع″، وهو ما لا يجوز في الإسلام إلا لله. هذا التوصيف الأخير بدا بعيداً عن الواقع، إذ لم يكن ما جرى سجوداً ولا خضوعاً، بل إيماءة مألوفة في الثقافات الآسيوية والإسلامية.
كما ركز الإعلام العربي على التناقض الظاهر بين مصافحة أنور إبراهيم لزوجة الرئيس الصيني بينما زوجته لم تصافح شي نفسه. هذا التباين فُسر كازدواجية في الصورة الإسلامية التي يظهر بها أنور، وأحياناً أخرى كترتيب متوازن بين الرسمي والشخصي. والأكيد أن هذه القراءات المتباينة تكشف أن الإشارات الرمزية ليست عابرة، بل محمّلة بسياقات حضارية وسياسية متناقضة؛ تُفهم في مكان كارتباك بروتوكولي، وفي آخر كوفاء للشريعة أو ازدواجية في الممارسة، ما يجعلها انعكاساً لصراع أوسع.
البروتوكول والمصالح الكبرى
البروتوكول ليس زينة شكلية، بل إطار يمنع سوء الفهم. وفق جمعية الدراسات والتدريب الدبلوماسي، البروتوكول هو “الإطار الذي تُدار من خلاله العلاقات الدولية”. ومن دون تنسيق مسبق مع المضيفين الصينيين، بدت لحظة التحية عرضة لتأويلات مبالغ فيها.
لكن بعيداً عن الجدل، تظل الحقائق الاقتصادية أكثر رسوخاً. ففي عام ٢٠٢٤، بلغت قيمة التبادل التجاري بين ماليزيا والصين ٤٨٤.١٢ مليار رينغيت (نحو ١٠٣ مليار دولار أمريكي)، ما جعل الصين الشريك التجاري الأول لماليزيا للسنة السادسة عشرة على التوالي. هذه الأرقام تؤكد أن العلاقات الثنائية أعمق من أن تهزها لحظة بروتوكولية عابرة.
حتى وان عزيزة نفسها نشرت عبر حسابها في منصة (إكس) تعليقاً شخصياً شكرت فيه الله على مشاركتها، مشيرة إلى أنها التقت زوجات قادة من تركيا وإيران وأوزبكستان ومصر، وشاركت في فعاليات اجتماعية وثقافية. هذه الرسالة أوضحت أن حضورها كان بهدف بناء الجسور لا إثارة الجدل. لكن غياب التنسيق البروتوكولي جعل التفاصيل الصغيرة تتغلب على الجوهر.
احترام يتجاوز الرموز
ما حدث في تيانجين لم يكن إخفاقاً بروتوكولياً ولا تحدياً سياسياً، بل لحظة عابرة تضخّمت خارج حجمها. وان عزيزة لم تركع، ولم تهن الرئيس الصيني، بل حيّت بما ينسجم مع قناعتها الدينية. وأنور إبراهيم صافح زوجة الرئيس الصيني، مثبتاً أن ماليزيا الرسمية التزمت العرف الدولي.
الدرس الأوسع أن الدبلوماسية لا تُقاس فقط بالاتفاقيات والبيانات، بل أيضاً بالرموز وكيفية تفسيرها. وإذا كان سوء الفهم قد يحوّل تحية صامتة إلى جدل عابر للحدود، فإن التنسيق البروتوكولي المسبق كفيل بتجنّب مثل هذه التأويلات، وضمان أن تُفهم الإشارات في إطارها الصحيح. فإدارة التفاصيل الصغيرة بحكمة تحمي العلاقات الكبرى، وتُبقي المصالح الاقتصادية والسياسية أعمق من أي لحظة رمزية عابرة.
اقرأ ايضاً
أنس الشريف… ذاكرة لا تموت في وجدان ماليزيا

