مصطفى جودة يكتب: نوبل والأوسكار والأوليمبياد «1ــ 2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
فى عالم اليوم، هناك ثلاثة ميادين للتميز البشرى، يمثل كل منها مجالا لقيم الحضارة ودور الإنسان فى تحقيق مدى قدراته التى حباه بها الله، وجنيه ثمار جسده، وقلبه، وعقله، وروحه. نوبل تمنح مرة واحدة سنويا فى ستة مجالات، وتبين لنا تعاون العقل مع الروح فى صورة اختراعات واكتشافات وأبحاث أصيلة مضنية، تمكن البشرية من مقاومة الأمراض، وحل مشاكلها التى تستعصى على الحل وتنقذها من أخطار الأوبئة، والقضاء على مشاكل العطش المائى، ومشاكل توافر الطعام، وتحقق التقدم، والرقى العلمى، والتكنولوجى للبشرية جمعاء.
أما الأوليمبياد فهو يعقد مرة كل أربع سنوات، ويبين لنا المدى الذى يبلغه الجسد بالتعاون مع الروح عندما يلتزم الإنسان بالانضباط، والمثابرة.
أما الأوسكار السينمائية فتبين لنا تعاون القلب مع الروح فى تسليتنا بالأفلام مكتوبة ومخرجة وممثلة، ويعقد مرة واحدة سنويا.
كل المجالات الثلاثة تمثل فخرا لدول العالم التى تحقق فيها السبق، كما أنها تسهم فى تقدمها الاقتصادي. من هنا تنفق جميع الدول الكثير لتحقيق التميز والتفرد فى تلك المجالات: من يعدو أسرع ومن يقفز أبعد وأعلى ومن يسبح أسرع ومن يلكم بقوة أكبر ومن يرفع أثقل. يشاهد العالم كله فائزا من دولة صغيرة يرفع علم بلده ملفوفا على جسده أو رافعا له بذراعه ويطوف به الملعب فيصبح أسطورة وطنية ملهمة لكل الأجيال فى وطنه.
وفى كل دورة أوليمبية ينظر الخلق جميعا الى الأرقام التى تتحطم وتغمرهم السعادة لذلك وكأنهم هم الفائزون.
أما الفائزون بالميدالية الذهبية فهم البشر المنضبطون والملتزمون بالقواعد والمثابرة والاجتهاد، وعندما يفوزون ترتفع أعلام بلادهم، ويصدح سلامهم الوطنى، وتكون لحظة فخر عارمة لمواطنيهم.
من هنا تقوم كل الدول بدعم الرياضيين وتشجيعهم، لان الميدالية التى ينالونها ليست مجرد قطعة معدنية من ذهب أو فضة أو وبرونز، ولكنها انتصار للوطن الذى ينتمى إليه هؤلاء المنتصرون، وهنا تكون الرمزية. الميدالية توحد فى لحظة ملايين البشر، وعندما يرفع علم ذلك البلد ويعزف سلامه الوطنى تتجسد هوية الوطن كله فى ذلك الرياضى الذى سبق الجميع. أما تمثال الأوسكار الذى تمنحه الأكاديمية الأمريكية للفنون فى مجال الصور المتحركة، فهو تتويج جمالى يحتفى بالخيال والسرد والابتكار التقنى، ينتج عنه التميز فى فنون وعلوم السينما وربط العالم من خلال الأفلام. من هنا فإن الفوز بجائزة الأوسكار يعتبر معيارا ثقافيا وتميزا إنسانيا فريدا. عندما يفوز فيلم بجائزة الأوسكار، تحدث عملية تأثير كبيرة أمام جمهور عالمى مثلما شاهدنا فى فيلم الطفلة الفلسطينية هند رجب ومثلما شاهد البلايين عبر رحلة عمرهم العديد من الأفلام.
هذه هى قدرة الفن على خلق التعاطف وصنع ذاكرة جماعية لا تستطيع خلقها جيوش جرارة. وإذا كان الذهب الأوليمبى يقيس المليمترات والميلى ثوان فإن جائزة نوبل تقيس الأثر الذى يحدثه الاكتشاف العلمى، والسمو الأدبى بكل أنواعه، ومبادرة سلام قد تنقذ ملايين الأرواح، وبالتالى فإن جائزة نوبل تمثل أسمى أوسمة العقل البشرى والمعرفى والأخلاقى.
الفائز بجائزة نوبل يحصل على ميدالية ذهبية ومبلغا كبيرا، غير أن الأهم من هذا كله هو القيمة المعنوية التى هى الجوهر.
لقد أسهمت جائزة نوبل منذ منحها عام 1901، على رفع منسوب الخير والمعرفة فى العالم، وأسهمت على محاربة الأمراض وتحسن مستويات المعيشة للبشر. نحن بحاجة الى ذهب الأوليمبياد لنتذكر أن أجسادنا قادرة على تحقيق المستحيل حين نحسن التدريب والعمل، وبحاجة الى الأوسكار لننعش مخيلتنا ونبقيها يقظة، وقادرة على التعاطف مع الآخر، وبحاجة الى نوبل كى نتذكر أن العقل مسئول وأن المعرفة ليست ترفا، بل منفعة عامة. عندها يظهر الكمال الإنسانى: جسدا يركض، وروحا تحكى، وعقلا يكتشف.
جوائز نوبل هذا العام ملهمة ونتاج زمنها كما كانت متوقعة. منحت جائزة الطب لثلاثة علماء بسبب اكتشاف وتفسير التحمل المناعى الطرفى وهو آليات تمنع جهاز المناعة من مهاجمة أعضاء الجسم نفسه. جوهر هذه الآليات تقوده الخلايا التائية المنظمة، وهو نوع خاص من كريات الدم البيضاء، مهمته تهدئة الاستجابة المناعية الزائدة، وبرنامج وراثى اسمه فوكس بي-3. عندما يختل هذا البرنامج تظهر متلازمة خلل اسمها الكامل: التنظيم المناعى وتعدد اضطرابات الغدد والاعتلال المعوي.
أما جائزة نوبل فى الفيزياء فقد منحت لثلاثة علماء أوضحوا كثيرا من غرائب العالم الكمى وتمكنوا من هندستها ورؤيتها على شرائح كهربائية تمسك باليد. استعمل الباحثون دوائر كهربائية فائقة التوصيل، وهى مواد تسرى فيها الكهرباء دون مقاومة عند درجات حرارة منخفضة جدا. أصبح من الممكن من خلال ذلك رصد درجات الطاقة داخل الدائرة كما ترصد فى الذرة، وتمكن العلماء من مشاهدة عبور كمى داخل الدائرة. كان هذا إنجازا علميا كبيرا أثبت العلماء من خلاله أن الكم قابل للهندسة على مقاس البشر، وأنه ليس محصورا فى الذرة، وأنه يمكن بناء أجهزة تظهره.
هذا الاكتشاف يفتح الطريق نحو تكنولوجيا جديدة اسمها تكنولوجيا الكم والتى ستغير الحياة تغيرا جذريا من خلال الكمبيوتر الكمى وأجهزة قياس واستشعار كمية. أما جائزة الكيمياء فقد فاز بها ثلاثة علماء أحدهم عربى من أصول فلسطينية هو الدكتور عمر ياغى الذى يحمل الجنسية الأردنية والسعودية والأمريكية، وهو ما يعنى أن الجائزة ستحسب للسعودية، والأردن، والولايات المتحدة، وفلسطين طبقا لقوانين الجائزة.
هذا الباحث يعمل بجامعة كاليفورنيا- بيركلى العظيمة، والتى فاز منها باحث بجائزة الفيزياء أيضا لهذا العام، والذين يبلغ عددهم 110 فائزين منذ بدء منح الجائزة عام 1901.
الجوائز الثلاث كانت متوقعة مثلما كان ينتظر الجميع.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: التوقعات المرئية للجوائز النوبلية

