مصطفى جودة يكتب: المتحف المصري.. استدامة الحضارة
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
«يا راكب الريح حى النيل والهرما.. وعظم السفح من سيناء والحرما… وقف على أثر مر الزمان به… فكان أثبت من أطواده قمما… واخفض جناحك فى الأرض التى حملت موسى رضيعا وعيسى الطهر منفطما… وأخرجت حكمة الأجيال خالدة… وبينت للعباد السيف والقلما… هذا فضاء تلم الريح خاشعة.. به ويمشى عليه الدهر محتشما.. فمرحبا بكم من طالعين به.. على سوى الطائر الميمون ما قدما».
تخيلت أمير الشعراء أحمد شوقى يرحب برئيس مصر وضيوفه الكبار من ملوك ورؤساء العالم، وكثيرا من الشخصيات العالمية المرموقة، ووسائل الإعلام العالمية التى ستنقل تفاصيل الافتتاح المبثوث على الهواء، والذين سيحضرون الافتتاح الكبير، وليكون المرشد السياحى للحشد الكريم فيعيد عليهم قراءة أبياته الخالدة تلك، والتى تشخص مصر وتحوى فى طياتها قيمتها ووصفها وتفردها وعظمتها، وأنها هى التى حفظت «استدامة المعرفة» للبشرية. يقدم لهم فى البداية المتحف الكبير فيصفه بأنه أكبر مؤسسة فى العالم مكرسة لحضارة واحدة، هى الحضارة المصرية القديمة حتى العصرين اليوناني-الرومانى المتأخرين، وأنه ليس « متحف تاريخ مصر كله»، وأنه كتاب مصر القديمة بعمق وتفصيل.
ثم يصحبهم بعدها الى القاعة الكبرى حيث تمثال رمسيس الثانى، وقبل أن يصعد بهم عبر الدرج العظيم حيث تصطف تماثيل ضخمة وكتل معمارية وكأنها موكب بصرى عملاق يربط بين فنون النحت والعمارة التى نبغ فيها الفنان المصرى القديم على كل أقرانه من البشر، ثم يصعد بهم الدرج العظيم، ثم يتوقف بهم عند روائع « ما قبل الأسرات»، وتحولات الدولة الحديثة، ثم يختتم بهم بجناح توت عنخ آمون، ويريهم أكثر من 5000 قطعة أثرية، كثير منها يعرض لأول مرة.
ثم يقودهم الى حشد من المصريين المحدثين يعملون بدأب وحرفية فى معامل ومراكز الترميم والصيانة الدائمة لمقتنيات المتحف، والموجودة تحت سطح الأرض والتى تقع على مساحة 32 ألف متر مربع، وتعج بالحياة والحركة، وكأنها ورش فى مصر القديمة بعثت من جديد تضم معامل للخزف والزجاج والمعادن، ومعامل الأحجار لترميم القطع الأثرية الحجرية الصغيرة والكبيرة ، معامل الأخشاب الخاصة بترميم القطع الأثرية المصنوعة من الأخشاب مثل التوابيت والتماثيل والنماذج الخشبية والمراكب والأدوات، وليشاهدوا مئات العمال المصريين المهرة والعلماء، وكأنهم يعزفون سيمفونية استدامة العبقرية المصرية، وهم يرممون، بجودة العارف المتمكن، ويختارون المواد التى يستعيدون بها قطعة ناقصة أو ألوانا باهتة، ويقومون بإنقاذ لوحة، ويفحصون مومياء، ويعالجون أحجارا عتيقة لتنطق من جديد، ومعامل حديثة للميكروبيولوجى ومعمل الميكروسكوب الالكترونى الماسح، ومعمل المومياوات.
المتحف المصرى الكبير هو جوهرة وهدية مصر للعالم والتاريخ والحضارة.
سيفتح المتحف أبوابه للجمهور فى الرابع من نوفمبر 2025. سيصبح هذا اليوم تاريخا من تواريخ الإنسانية التى تصنعها مصر، أكبر صانعة للتاريخ، ليضاف لكثير من التواريخ التى صنعتها مصر للإنسانية منذ فجر التاريخ.
روعى فى اختيار الموقع أن يكون قريبا من أهرامات الجيزة، وكأنه استبيان لاستدامة الحضارة على أرض مصر.
روعى فى بنائه ليكون أكبر متحف للآثار فى العالم، ليستوعب أكثر من خمسة ملايين زائر سنويا.
اختير موقع إنشاء المتحف ليقام على مساحة 117 فدانا، منها مبانى المتحف مقامة على مساحة 100 ألف متر مربع، ومنها 45 ألف متر للعرض المتحفى، وتشمل المساحة المتبقية مكتبة متخصصة فى علوم المصريات، ومركزا للمؤتمرات، ومركز أبحاث، ودار عرض سينمائى ثلاثية الأبعاد، وأماكن مخصصة لخدمة الزائرين مثل المطاعم، ومراكز لبيع الكتب والهدايا، ومواقف انتظار سيارات.
وروعى فيه أيضا أن يكون تحفة معمارية فريدة تم تصميمها بواسطة مسابقة عالمية فاز بها مكتب هينجان بنج الأيرلندى.
كل هذا يجعل المتحف شبيها ومنافسا قويا للمتحف البريطانى ومتحف اللوفر وغيرهما من المتاحف العالمية المشهورة، أما العرض المتحفى الداخلى فتم تنفيذه بواسطة مكتب أتولييه بروكنر الألمانى. ملحق بصلات عرض المتحف، مبانى الخدمات التجارية والترفيهية ومركز الترميم، إضافة الى حديقة متحفية، سيزرع بها كثير من الأشجار التى كانت معروفة عند قدماء المصريين.
يضم المتحف أكثر من مائة ألف قطعة أثرية تمتد من عصور ما قبل الأسرات، ثم العصور الفرعونية المختلفة، واليونانية، والرومانية، وحتى العصر القبطى. مما يجعل المتحف وجهة سياحية عالمية كبيرة.
لم يبن المتحف المصري الكبير بين عشية وضحاها، ولكن استغرقت عملية البناء أكثر من 32 سنة، حيث اقترح فكرته السيد فاروق حسنى، وزير الثقافة الأسبق وتم وضع حجر الأساس 2002، ثم وضع حجر الأساس له الرئيس الأسبق حسنى مبارك فى 4 فبراير 2002، بصحبة عاطف عبيد وفاروق حسنى وزير الثقافة، ثم تلا ذلك الكثير من الاستعدادات المضنية.
لم يتوقف العمل فى المتحف إلا فى عام 2011، كما أن الدولة لم تبخل أبدا من الإنفاق بسخاء عليه، وأن عملية الإنفاق ارتفعت فى السنوات الأخيرة والمجهودات الشاقة، والدعم المالى الكبير ليصبح بالمليارات، أهمها ما شهده عام 2024 حيث تم فتح 12 قاعة رئيسية فى تشغيل تجريبي، ثم تلاه قرار الإغلاق المؤقت من أول أكتوبر إلى 3 نوفمبر 2025، استعدادا للافتتاح الكبير فى أول نوفمبر.
العالم كله ينتظر ذلك الافتتاح، فهو ليس مجرد إضافة صالات عرض جديدة، ولكنه يتعداها الى عملية إعادة كتابة تقديم مصر للعالم: بداية من هضبة الأهرام الى قاعات تحفظ كنوزا تروى حكاية الإنسان وهو يبتكر الدولة، واللغة، والدين، والفنون. إنه يوم مشهود وحدث عالمى بمعناه الثقافى، والحضاري بمعناه الأخلاقي، فيه تتحول الآثار من ماض سحيق الى لغة حياة.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: نوبل والأوسكار والأوليمبياد «1ــ 2»

