مصطفى جودة يكتب: حكاية تاكر وهاكابى «1ـ 2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
ولما كانت الليلة التاسعة بعد الألف، قالت شهرزاد: بلغنى أيها الملك السعيد، أنه حدث منذ عشرة أيام، مقابلة لم يحدث مثلها فى تاريخ الإعلام. كانت بين سفير أمريكا الحالى فى إسرائيل السيد مايك هاكابى، الذى أطلق عليه غالبية المشاهدين من الأمريكيين وغيرهم عقب سماعها ومشاهدتها، بأنه يتحدث وكأنه سفير إسرائيل الكبرى فى أمريكا، لتبنيه كل ما تردده الحكومة الإسرائيلية المتطرفة من ادعاءات وشائعات وأنه يرى السياسة امتدادا للعقيدة، وبين تاكر كارلسون المذيع الحر، الذى لا يتبع أى شبكة تليفزيونية أو وكالة إخبارية أو صحيفة عالمية، والذى أصبح بين عشية وضحاها ربما المذيع الأشهر فى التاريخ. لقد كانت مبارزة ولم تكن مقابلة.
أصبح واضحا جليا أن السيد هاكابى هو الذى تطوع أن يكون المبارز للسيد تاكر الذى أصبح فارسا مغوارا فى الهجوم على التوغل الصهيونى فى القلب الأمريكى والعالمى. ظن السيد هاكابى أنه يملك كل أسلحة مواجهة السيد تاكر وأنه سيتمكن من إسكاته أمام العالم كله، كما سيتمكن من إبطال سحره وبلاغته التى أصبحت تملك لب كل مستمعيه فى العالم. ظن أنه حجة فى حفظ وتأويل نصوص الكتاب المقدس، وأنه سيتمكن من شرح العهد الذى وعده الله لإبراهيم وذريته، وأنه بالتالى سيتمكن من تبرير ما يردده الكثيرون فى الحق التوراتى لتأسيس إسرائيل الكبرى. لم تكن المقابلة مجرد حوار ثنائى، بل تحولت الى معركة مشتعلة بسبب التصريحات المتعلقة بالشعب المختار والأرض الموعودة من خلال نص توراتى ساقه السفير كمرجعية وحق لإسرائيل أن تكبر وتملك على كل الشرق الأوسط، كما تطرقت الى إعادة بعض القضايا مثل حرب العراق وربطها بأحداث 11 سبتمبر 1991.
استغرقت المقابلة ساعتين ونصف الساعة وكانت موضوعاتها متنوعة ومختارة بعناية فائقة، شملت كثيرا من الموضوعات الأساسية عن الحق التوراتى والتاريخى لدولة إسرائيل والعهد الذى وعهده الله لإبراهيم وتفسيره، كما تضمنت المقابلة القيم الحضارية التى يتمتع بها الجيش الإسرائيلى وحرب الإبادة التى مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين، وكل ما يخص العلاقة الخاصة بين إسرائيل وأمريكا، والمساعدات العسكرية والمالية غير المحدودة لإسرائيل، وغيرها، ومناقشة موضوعات أخرى لم يستطع أحد قبل تاكر فتح ملفاتها، أو يجرؤ على الخوض فيها. تكمن أهميتها أن مئات الملايين شاهدوها فى كل مكان وشاهدوا خلالها رجل دين يلبس الحق بالباطل ويستخدم الشعارات ليقنع الناس بوجهة نظر غير قابلة للتصديق.
عندها قاطعها الملك قائلا: عليك بتوضيح الأمور أكثر كى أفهم ما ترمين اليه.
ردت شهرزاد: بداية أود أن أقول إنه من الواضح أن السيد السفير قد دفع به دفعا ليوقف رسالة تاكر التى تجد صدى فى العالم كله وخصوصا أمريكا وليعرض على العالم كله موضوع إسرائيل الكبرى، بعد أن كثر الكلام عنه فى الآونة الأخيرة، وأنه سيكون أكثر فاعلية لو جاء من قبل السفير الأمريكى المتعاطف طيلة عمره مع إسرائيل ومصالحها كما هو معروف للعالم كله. تكمن خطورة المقابلة يا مولاى فى أن السيد السفير كان متحيزا، وأنه يخلط الأمور، ويشكك بطريقة مريبة فى حقائق وثوابت، ويقدم تفسيرات أيديولوجية، ويقدم فقرات دعائية كأنها معلومات موثقة، مقدمة من سفير الدولة الأعظم. يقدمها بعلم وتمرس لأنه كان واعظا طيلة حياته، قبل أن يتقلد منصب السفير.
عرض السيد السفير أنه «سيكون أمرا جيدا لو أن إسرائيل استولت على كل الشرق الأوسط من الفرات الى النيل». هو هنا يشير ويتكلم بأريحية عن ضم المناطق العربية وكأنها حق سماوى، وأن تلك التصريحات تمثل تحولا فى السياسة الأمريكية، وتثير قلقا يتعارض مع قرارات مجلس الأمن منذ حرب 1967 التى تؤكد عدم ضم الأراضى بالقوة، متناسيا مبدأ حل الدولتين الذى هو جزء من الخطاب الأمريكى فى مرحلة ما قبل قدوم نيتانياهو للسلطة.
هذا السياق الذى طرحه السيد السفير يقر بأحقية إسرائيل المطلقة فى الأرض وأن تحقق حلم إسرائيل الكبرى، يعنى إلغاء ضمنيا لفكرة الدولة الفلسطينية.
قال السفير: تلك الأرض وعد مكتوب، وإن من حق الموعود أن يملكها، ثم ذكر ما جاء فى الكتاب المقدس ليضفى شهادة ألوهية على مقولته. كان الرد المصرى حاسما لما قاله السيد السفير لأنه يمس الأمن القومى المصرى والرمزى الجغرافى، وأن مجرد ذكر النيل فى أى خطاب توسعى يثير غضب وحمية مصر فورا، وحتى ولو كان المقصود مجازا دينيا، لذا جاء الرفض المصرى حادا بوصفه انتهاكا للقانون الدولى ومساسا بمبادئ ثابتة، وتمسكا كاملا بمرجعية الدولة الفلسطينية وحقوق شعبها. كانت هناك ردود أخرى من كل الدول العربية التى أشار اليها السيد السفير بخصوص إسرائيل الكبرى إضافة الى باكستان وتركيا وإيران وجامعة الدول العربية وبقية المنظمات العربية والإسلامية.
تطرقت المقابلة أيضا الى العديد من المغالطات التاريخية التى ذكرها السيد السفير فى معرض الإجابة عن أسئلة السيد تاكر منها قوله عندما سأله تاكر عن سوء معاملة المسيحيين، خصوصا من المستوطنين الإسرائيليين الذين يبصقون عليهم عندما يلحظون ارتداءهم صلبانا كحلية. أجاب السيد هاكابى أن عدد المسيحيين فى إسرائيل كان 34 ألفا عام 1948، وأصبح 184 ألفا الآن، فى إشارة الى أن إسرائيل تحسن معاملتهم وأن حياتهم أفضل فى ظل الوجود الإسرائيلى، لأن إسرائيل تمنحهم مسامحة وحقوقا أكبر، وفى هذا يتأتى من الاستنتاج الضمنى من حسن المعاملة الإسرائيلية والتى لا يحصلون عليها فى المجتمعات الإسلامية..

