مصطفى جودة يكتب: كتابيه «6» عمرو موسى والهرولة نحو الشرق أوسطية
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
استمرارا في أخذ المواقف التاريخية، يروي عمرو موسي حكاية هامة حدثت قبل انعقاد مؤتمر الدار البيضاء بتاريخ 30 أكتوبر 1994: «خلال هذا المؤتمر كان شيمون بيريز يسعي الى عقد اجتماع لدول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا والولايات المتحدة للتوافق على نظام أمني جديد في الشرق الأوسط، وإذ به يتصل بي هاتفيا بعد وصولي للدار البيضاء مباشرة، وليقول لي إنه فقط أراد إبلاغي بأننا اتفقنا على أن نجتمع غدا لنبحث موضوعا في المنطقة، فسألته: من اتفق مع من على الاجتماع وما الموضوع الأمني المطروح بالضبط ومن الذي اتخذ القرار؟. رد بيريز أن إسرائيل ومصر والأردن وتركيا والمغرب والولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية ستجتمع. فسألته هل مصر وافقت على مثل هذا الاجتماع؟ قال لهذا السبب أنا أتصل بك الآن لإجراء الترتيبات. سألته ما الهدف؟ فقال الأمن في المنطقة. فقلت له إنني أجده أمرا خطيرا جدا أن أبلغ عن اجتماع يعقد غدا في موضوع مهم مثل الأمن الإقليمي قبل أن نتشاور بخصوصه على الأقل في مصر، وبالتالي أنا غير موافق عليه.
أريد أن أبلغك وأكرر أنني أنا وزير خارجية مصر أبدي اندهاشي لهذا الأسلوب وغير موافق على هذا الكلام. وبالنسبة لخطورة الاقتراح فسوف أعرض الأمر علي الرئيس مبارك، لأري كيف ينظر في هذا الموضوع. «اتصلت بالرئيس وشرحت ما جري بيني وبين بيريز، فقال معك حق وأضاف كلمة لن أنساها: «بوظة».
يضيف عمرو موسى، أن بيريز اتصل به بعدها، فقلت له من الجيد أنك اتصلت فأنا أبلغتك أمس عن عدم موافقتي بصفتي وزيرا للخارجية على الكلام الذي قلته، واليوم أبلغك عدم موافقة رئيس الجمهورية على هذا الكلام، وبالتالي لن تشارك مصر في هذا الاجتماع. يضيف عمرو موسي أنه تبين له أن صاحب الاقتراح كان الملك الحسن الثاني ملك المغرب. يضيف عمرو موسي أنه طلب موعدا عاجلا مع الملك الحسن قبل المؤتمر والذي استمع باهتمام لشرحه فأمر الملك بعدم عقد هذا الاجتماع وإبلاغ بيريز بذلك. بعد ذلك وفى الواحدة ظهرا من نفس اليوم وقف رابين وقال في حديثه للمؤتمر: القدس قدسنا وهي عاصمة إسرائيل، ولما كنت المتحدث بعده مباشرة رددت عليه فورا قائلا: «القدس مدينة عربية محتلة، والقدس قدسنا – هكذا يقول التاريخ الصحيح». وأعلنت أيضا استحالة قيام السوق الشرق أوسطية ــ التي كان يروج لها هذا المؤتمر- مع استمرار إسرائيل في احتلال أراض عربية. وشددت على أولوية تحويل منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. انقسم الحضور بعد كلمتي وفشل المؤتمر.
كانت المجهودات المصرية خارقة فيما حدث في هذا المؤتمر والتي أدت إلى فشله. كانت كلمة عمرو تجسيدا لدور مصر الثابت والمستدام بخصوص القضية الفلسطينية مهما كلفتها التضحيات. كانت الإجابة القاطعة على ما قاله إسحاق رابين فاصلة.
توالت الأحداث نتيجة فشل ذلك المؤتمر كما سردها عمرو موسي: «عقب عودتي قابلت الرئيس مبارك وقلت له إننا « أفشلنا» موضوع الترتيبات الأمنية الغامضة في المنطقة، ولكننا يجب أن نأخذ حذرنا لأن الإسرائيليين سيحاولون مجددا». سألني الرئيس عن رأيى فقلت له: أقترح التنسيق مع السعودية وسوريا، وهو ما تم فعلا، حيث عقدت قمة ثلاثية بين الدول الثلاث في الإسكندرية في الفترة من 28 – 29 ديسمبر 1994.
انعقد بعدها المؤتمر الثاني للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في العاصمة الأردنية عمان في أكتوبر 1995، أي بعد قرابة عام من المؤتمر الذي انعقد في الدار البيضاء، والذي أردت فيه أن تكون كلمة مصر مجسدة للواقع ومحذرة من التسرع بخصوص مشروع الشرق الأوسط. قلت في كلمة مصر: « جوهر القول هنا أن مبدأ الأرض مقابل السلام هو المبدأ الحاكم على الساحات الفلسطينية أو السورية أو اللبنانية، وبهذا نأتي الى تصور المستقبل، فلا يمكن لمصر وبقية الدول العربية ولا لمهتم بالسلام ومستقبل الشرق الأوسط أن يتصور حلا نهائيا ولا سلاما شاملا من دون قيام دولة فلسطينية مستقلة، أو من دون انسحاب شامل من أراضي سوريا ولبنان، أو من دون اتفاقيات وإجراءات تضمن الأمن للجميع، يأتي في مقدمتها إقامة منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط، وعلينا نحن العرب أن نتفاعل مع التطورات، وأن يكون تفاعلنا بكل عقل وثقة وحكمة وليس مظاهرة ولا هرولة». أصابت كلمة هرولة الكثيرين بصدمة.
لقد أثبت التاريخ صحة تخوفات عمرو موسي، وخصوصا بعد مجيء نيتانياهو للحكم في إسرائيل والذي تبني ويتبني شعار «السلام مقابل السلام»، دون تحقيق تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية.
الآن عاد مشروع الشرق الأوسط بصيغ جديدة أكثر تطرفا وأكثر إغفالا للقضية الفلسطينية.
في مؤتمر الدار البيضاء طرح شيمون بيريز مشروعه للشرق الأوسط عبر أطر اقتصادية وتعاونية تتجاوز الانتماء العربي وتدمج إسرائيل في الفضاء الإقليمي دون تسوية عادلة وشاملة للقضية الفلسطينية ثم جاء نيتانياهو وكانت استراتيجيته أن السلام لا يكون مع الفلسطينيين، بل مع العرب الواقعيين.
هو يري أن الأمن القومي الإسرائيلي أهم من أي سلام، وأن إسرائيل ليست مضطرة للانسحاب من الأراضي المحتلة مقابل علاقات طبيعية. لقد تغير مفهوم الشرق الأوسط في عهد نيتانياهو فهو شرق أوسط يقوم على السلام مقابل الكلام، وتطبيع بدون تسوية، ولا يقوم على السلام مقابل الأرض التي احتلها.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: كتابيه «5»”عمرو موسى والشرق أوسطية”

