مصطفى جودة يكتب: التفسير العلمي لبداية ونهاية الصهيونية «2-2»

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

«الدولة فى أولها تكون بسيطة، ثم تزداد زخرفا حتى إذا تمكن منها الترف تداعت إلى الفناء» ابن خلدون.

يشاهد العالم كله على الهواء مباشرة، مرحلة اضمحلال المشروع الصهيوني، ليس فقط بفعل مشاهد المحرقة والتجويع فى غزة، ومشاهد قتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير المساجد والمستشفيات والجامعات والمدارس والأخضر واليابس، وخروج نيتانياهو المستدام وإعلانه أن النصر المبين على حماس بات قريبا، لكن بسبب تراكمات تاريخية وسياسية وعنصرية وضعت هذا الكيان على طريق الانحدار والاضمحلال. فمنذ نشأته، حمل المشروع الصهيونى فى داخله بذور التدمير الذاتى وذلك من خلال عملية التناقض بين ما كتبه هيرتزل بطريقة رومانسية عن الدولة اليهودية ومؤسساتها بالداخل والخارج، وبين مسالك الدولة اليهودية التى تريد الاستحواذ على كل منطقة الشرق الأوسط.

فى المقال السابق رأينا استخدام ثيودور هرتزل مفهوم الطاقة الحرة، فى تفسير نشأة الدولة اليهودية، مستخدما النموذج العلمى لها، قائلا: « لدى الشعب اليهودى قوة عجيبة، لو أحسنا استخدامها ووضعناها فى اتجاهها الصحيح وحشدت لها الموارد لأمكنها أن تدهش العالم». هذه الاستعارة جاءت من صيغة جيبس الأمريكى فى الكيمياء الفيزيائية التى سماها الطاقة الحرة القابلة للتحول الى شغل مفيد أو القوة الدافعة لحدوث أى تفاعل فى أى منظومة.

والتى صاغها هيلمهولتز أيضا: الجزء المفيد من طاقة أى منظومة والذى يمكنه أن يتحول إلى شغل مفيد. هى نفس الصيغة التى وضعها من قبل ابن خلدون فى مقدمته: « العصبية هى الحمية والمدافعة عن ذوى القربى وأهل الولاء، ومنه يكون التغلب والمنعة». والخلاصة السياسية من هذه الاستعارات العلمية بسيطة ومرتبطة بالطاقة، إذا استهلكت ولم تجدد، تفقد قدرتها على إنتاج العمل بمرور الوقت ويحدث الاضمحلال فى المنظومة.

لو طبقنا نفس المفاهيم التى استخدمها هرتزل فى تبريره لنشأة الدولة اليهودية على ما يحدث حاليا فى الاتجاه المعاكس لأمكننا تفسير ما يحدث. نشأت الصهيونية فى أواخر القرن التاسع عشر كحركة قومية منظمة، تبلورت فى مؤتمر بازل، ثم جاء وعد بلفور عام 1917، ليمنحها شرعية واعترافا دوليا داعما، قبل إعلان الدولة عام 1948.

ثم كانت حرب 1967 لتمنحها تفوقا عسكريا بلغ ذروته، وكأن القوة الدافعة التى تحدث عنها هرتزل تترجم عمليا الى إنجازات عظيمة. غير أن ما حدث لإسرائيل بعدها من ترف يفوق الترف فى البلاد التى تدعمها، أحدث رد فعل مضاد، وهو ما أشار اليه ابن خلدون: «إذا ما استحكمت طبيعة الملك من الترف أفسدت العصبية».

أى حين تتحول البساطة والكدح الى ترف واستهلاك، تفسد الجذور وتتآكل الروابط التى أسست المنعة، وهو الأمر الذي تؤكد حدوثه كل الدراسات فى المجتمع الإسرائيلي.

ببساطة استهلكت الطاقة الحرة فى السنوات الأخيرة، وأن العملية غير قابلة للعكس طبقا للقانون العلمي.

نتج هذا من الاعتماد المفرط على الخارج، وتراجع الروح المعنوية لدى الشعب الإسرائيلى، والاستقطاب الحاد بين التيار الدينى والتيار العلمانى الليبرالى، وما يفعله المستوطنون من قتل وتدمير فى الضفة الغربية وبقية المدن الفلسطينية. هذه كلها تمثل أعراض تفسخ العصبية التى تحدث عنها ابن خلدون.

كان الركن الثانى لبقاء المشروع الصهيونى هو القوة الدافعة الخارجية نتيجة قبول شعبى وسياسى واسع فى الغرب، مصحوبا بدعم مادى وسياسى، وتغطية إعلامية لمصلحة إسرائيل. كل هذا غيرته الحرب على غزة وما رافقها من مجازر موثقة بالصوت والصورة قوضت هذا الركن وقضت عليه.

 

 هناك ملايين المحتجين فى شوارع العواصم والمدن الكبرى بطريقة منتظمة، تطالب حكوماتها بوقف الدعم العسكرى، ووضع حد للإبادة والتطهير العرقى وإيقاف قتل الأطفال والنساء وضرورة ارسال المساعدات الإنسانية. إضافة الى ذلك ما حدث من تراجع فى التأييد بين الكوادر الشابة فى الجامعات الأمريكية والأوروبية.

لو ترجمنا كل ذلك باستخدام مفهوم الطاقة الحرة الذى استخدمه هيرتزل نفسه يمكننا القول إن الطاقة الحرة الخارجية التى كانت تضاف الى المنظومة الإسرائيلية وتتحول الى طاقة داعمة تحدث فراغا هائلا واضمحلالا فى المنظومة الإسرائيلية. لم تستجب إسرائيل الى الناصحين لها منذ قدوم نيتانياهو وغلاة اليمين المتطرف، بل زادت فى غيها وكأنها تستدرج الى حيث لا تعلم.

رغم كل هذا الاضطراب وكل تلك المؤشرات، جاء تصريح نيتانياهو بتاريخ 13 أغسطس فى مقابلة تليفزيونية، ليلقى زيتا على النيران المشتعلة فى الشرق الأوسط، عندما سأله المذيع إن كان يشعر بالارتباط برؤية إسرائيل الكبرى، فأجاب نعم وبشدة، وأنه فى مهمة تاريخية وروحانية.

لم يكن ذلك التصريح إلا انعكاسا وتبيانا لما يحدث من اضمحلال حقيقى ومتسارع فى إسرائيل. نيتانياهو يحاول تعويض العجز العملى بالنبرة التهديدية ومحاولة لفت الأنظار، وعكس تآكلا داخليا فى المشروع الصهيوني. إنه تآكل العصبية عند ابن خلدون وهو الذى يؤدى للفناء. أما بالنسبة الى التحول فى الغرب تجاه الدولة الصهيونية، فهو ليس مجرد حملة إعلامية عابرة، ولكن دلالة الى تحول بنيوى فى المعايير الأخلاقية خصوصا لدى الشباب الذي اعتدت عليه القوى الموالية للصهيونية وحرمته حقه الدستورى فى التعبير عن رأيه وهو الأمر الذى لن تنساه الأجيال الشابة.

كما أن الرواية الإسرائيلية التى تحاول قدر جهدها توضيح الأمر لم تعد كافية أمام الأدلة البصرية التى تتيحها أدوات التواصل الاجتماعى وتوثقها التقارير من قلب الأحداث. وعليه يمكن تلخيص اضمحلال المشروع الصهيونى الذى يشاهده العالم على الهواء، بأنه مشروع تراكمى متسارع.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: التفسير العلمي لبداية ونهاية الصهيونية «1-2»

شكرا للتعليق