مصطفى جودة يكتب: التفسير العلمي لبداية ونهاية الصهيونية «1-2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
المتابع والمشاهد للداخل الأمريكي والأوروبي، يلحظ أن هناك تغيرات جذرية تنم على أن كيل تلك المجتمعات قد طفح ضد ما تفعله الصهيونية وسيطرتها على صناع القرار بتلك المجتمعات، بداية من التحكم فى سير الانتخابات الرئاسية ومجالس النواب، والتحكم في وسائل الإعلام والجامعات والدعايات، وأخيرا فى التحكم فى التعبير عن الرأى كما شاهد العالم ما حدث فى الجامعات الأمريكية عندما احتج طلابها على حرب الإبادة التي ترتكبها إسرائيل فى غزة، وكيف أن نتانياهو خرج فور حدوثها على الهواء مباشرة وطالب بكبح تلك التظاهرات.
كانت كلماته وكأنه يرسل رسالة مشفرة الى كل أنصاره وخصوصا منظمة ايباك وغيرها ومن تستخدمهم، أن يجمعوا أمرهم ويقضوا على تلك الحركة الوليدة بكل الطرق ويمنعوا انتشارها بسرعة. ما أغضب الشباب الأمريكي هو الاستجابة الفورية لإدارة الرئيس السابق بايدن حينها لما أملاه نتانياهو، وهو الأمر الذى أدى الى كبح تلك الحركة وصدور تشريعات فورية تجرم من تسول له نفسه من الطلاب والأساتذة من ممارسة حقوقهم الدستورية فى الجامعات والتى كان معروفا عنها أنها معقل الحريات للطلاب والأساتذة، وأنها جزء أساسى من العملية التعليمية فى الجامعات الأمريكية مثلما حدث إبان حرب فيتنام.
هناك تغيرات جذرية فى مواجهة الصهيونية التى بلغ تطرفها الزبى فى استغلال واستحلاب تلك المجتمعات منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لقد أنذر كثيرون من الأكاديميين وأصحاب الرأى إسرائيل والموالين لها من مغبة الاستمرار فى ارتكاب تلك الأعمال.
لم تستجب إسرائيل أو مناصروها للنصائح الأمينة فحدث ما نشاهده الآن.
لم يعد فى مقدور الإنسان الغربى تحمل ما ترتكبه إسرائيل من جرائم ومن تجويع وقتل الأطفال والنساء.
قبلها، كان مجرد الإنكار الإسرائيلي كافيا للتبرير.
الصورة الآن أن غالبية تلك الشعوب تظهر احتجاجاتها ضد الإبادة والمحرقة الدائرة رحاها فى غزة وضد حكومة نتانياهو اليمينية المتطرفة.
فجأة وكأن غشاوة قد أزيلت من أعين الناس هناك، ولم تعد تقنعهم الدعايات المغرضة والأكاذيب ولى الحقائق مثلما كان يحدث فى الماضي.
الغريب فى الأمر أن كثيرا من قاعدة الرئيس ترامب والتى انتخبته على أساس مبدأ: أمريكا أولا، بدأت تتذمر بشدة ضد سياساته تجاه إسرائيل، وأنه أخلف وعده معهم، أنه لن يتدخل فى حروب، وهو الأمر الذى خالفه عندما هاجم إيران.
كل يوم تزداد نسبة هؤلاء المعارضين، ويزداد عداؤهم للصهيونية، وهو الأمر الذى بدأ يقلق اللوبى الصهيونى، لدرجة أنهم بدأوا يهددون هؤلاء المعارضين.
لفهم القصة كاملة، وكيف وصلنا الى الفصل الأخير، لابد لنا من الرجوع للماضى وبالذات الى عام 1896، الذى صدر فيه كتاب «الدولة اليهودية» لمؤلفه ثيودور هرتزل. كانت فكرته الأساسية جوهر المسألة اليهودية ومعاداة السامية، يعرض فكرته بعاطفة تبدو صادقة ومقنعة لكل قرائه، ومحفزة وخالقة للتحريض لليهود ببراعة وإيمانا منه بأفكاره الإستراتيجية التى يطرحها مستخدما المفهوم العلمى لتحفيز قيام الدولة اليهودية وهو مفهوم القوة الدافعة أو الطاقة المتاحة لإحداث التغيير وتحقيق فكرته.
من الواضح أن مرد استخدامه تلك المفاهيم العلمية المعقدة، هو أن اكتشافها كان متزامنا مع نشر كتابه فى نهاية القرن التاسع عشر بواسطة اثنين من أشهر علماء الكيمياء الفيزيائية ومؤسسيها وهما جيبس الأمريكي وهيلمهولتز الألماني.
استطاع هيرتزل توظيف تلك المفاهيم توظيفا ذكيا وشرحها ببساطة للقارئ العادى مما جعل كتابه مثيرا للاهتمام لكل من يقرؤه رغم أنه كان محاميا، يقول: «إنه لا يمكن لأى إنسان إنكار حالتى الاضطهاد والعنصرية اللتين يعانيهما اليهود، وأن الادعاء أحيانا بالمساواة فى الحقوق والمنصوص عليه فى القوانين لا يطبق عندما يتقدم اليهودى لوظيفة مدنية أو عسكرية وأنه توجد كراهية دفينة ضد اليهود فى البرلمانات والاجتماعات والصحافة والشوارع والرحلات وأماكن العبادة وحتى فى الأماكن الترفيهية، وأنه يوجد الكثير من الحالات فى مجال التجارة والتى سببت الإفلاس للكثيرين منهم لأن الناس لا تريد التعامل معهم».
ثم يتساءل: أليس حقيقيا أنه فى البلاد التى يوجد فيها وجود يهودى كثيف فإن المحامين والأطباء والتكنولوجيين والمدرسين والموظفين من كل الأنواع من اليهود يعانون السخط والعنصرية؟
أليس صحيحا أن كل سخط الجماهير والغوغاء دائما يوجه ضد الأغنياء اليهود؟
إنى أعتقد أن تلك المعاملة توجد فى كل الأمكنة وأن الجميع يريدون التخلص من اليهود وتأسيس دولة يهودية.
أنا لا أخترع شيئا بطرحى تلك الفكرة سواء الحالة التاريخية لليهود أو محاولة تقديم وسائل لتحسينها.
الطرح الذى أعرضه هنا يتضمن توظيف وجود قوة دافعة لحدوث ذلك، لأن كل شيء يعتمد على القوة الدافعة. هى هنا البؤس الذى يعانيه اليهود ولا أحد يستطيع إنكار ذلك. المفهوم العلمى للكلمة هو انها تلك القوة التى تسبب حدوث التفاعلات المختلفة وبالتالى فهى القوة المسببة لحدوث الأشياء فى كل المنظومات.
يقول: «يبدو أن هناك شيئا ما بخصوص رفاهيتنا، لأنه على مدى قرون عديدة اعتاد العالم على اعتبارنا أكثر الفقراء احتقارا.
فى جهله وضيق قلبه، لا يلاحظ العالم أن رفاهيتنا تضعفنا كيهود وتقضى على خصوصياتنا.
إنه الضغط الذى يجبرنا على العودة إلى جذع الأصل، فقط الكراهية التى تحيط بنا هى التى تحولنا إلى غرباء مرة أخرى. الضيق يربطنا ببعضنا البعض، وهنا نكتشف فجأة قوتنا».
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: زياد الرحبانى وجائزة نوبل

