مصطفى جودة يكتب: كتابيه «2»”عمرو موسى ونيتانياهو”

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

يقول عمرو موسي، فى بداية الفصل العاشر من الكتاب: «على مدار 10 سنوات قضيتها وزيرا للخارجية لم تنقطع المواجهات السياسية بينى وبين ساسة إسرائيل على تنوع مشاربهم الحزبية والفكرية، وذلك مرده الى تلك السياسات الإسرائيلية غير المنصفة والعدوانية التى يتفقون عليها جميعا، التى بمقتضاها تحصل إسرائيل على كل شيء دون تقديم أى شيء ذى قيمة فى إطار حقوق الفلسطينيين والانسحاب من الأراضى العربية المحتلة».

هذا اليقين المتأتى من التجربة والممارسة نزعت منه كل خلايا خوف مواجهتهم رغم علمه أن أمريكا وكلاً من فيها لا يسمح بلمس شعرة من جسم إسرائيل وأنها فوق المساءلة والقانون. لم يكن عمرو موسى مجرد وزير خارجية أكبر دولة عربية، ولكن عميد للدبلوماسيين العرب، وحامل لراية الصراع العربي، الإسرائيلى فى أعنف مراحله نتيجة تفرد أمريكا بقيادة العالم وغياب من يستطيع الوقوف أمامها. اتسمت علاقة عمرو موسى ونيتانياهو بكثير من المواجهات، ورغم مساندة أمريكا واللوبى الصهيوني، فإن الغلبة كانت دائما من نصيب عمرو موسى الذى كان يعتمد على لغة دقيقة وشجاعة فى آن واحد. لم يكن تصادميا، ولم يكن مداهنا فى نفس الوقت، وكان صاحب أسلوب واقعى ثابت. سيذكر التاريخ أن عمرو موسى كان من بين الدبلوماسيين وصناع القرار العرب، الذى كان يمثل غصة فى زور نيتانياهو، وبقية القادة الإسرائيليين، وأنه كان الوحيد الذى يتصدى لهم ويوقفهم عند حدهم بالحجج وندية الفهم والقانون بحكم دراسته القانونية، ويحرجهم أمام العالم كله، وأنهم كانوا يدركون ذلك ويخشونه وينكمشون أمامه.

بالنسبة لنيتانياهو، كان عمرو موسى «عظمة فى حلقه»، وأنه كان يتصدى له. هكذا كان عمرو موسى فى كل مواجهاته مع نيتانياهو، والذى كان وما زال يظن نفسه أنه فوق الجميع نتيجة دعم جميع مؤسسات الولايات المتحدة له، وكذلك من المساندات الغربية والذين هم أتباع للقرار الأمريكى المساند على طول الخط لإسرائيل. لم تخف كل تلك الجحافل عمرو موسى أو تثنيه عن مواجهته لنيتانياهو.

يقول عمرو موسي: «فى نهاية اليوم الثانى لمؤتمر مدريد للسلام، طلب رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحاق شامير اللقاء معى واجتمعنا فى مساء ذات اليوم 31 أكتوبر 1991، فى غرفة مزدحمة من حجرات الفندق. كان يوجد مع شامير نيتانياهو، والذى كان حينها نائب وزير الخارجية، وآخرون. وكان بصحبتى أحمد أبو الغيط مدير مكتبى ورضا شحاتة ونبيل فهمى ولطفى الخولي. تحدث شامير بطريقة متشددة، وقال إنه لن يتجاوز فكرة الحكم الذاتى للفلسطينيين، وأنه لا يوافق على إقامة دولة فلسطينية يمكنها أن تهدد، بل ستهدد إسرائيل فى مستقبل الأيام. وأوضح أنه سيتفاوض ويتفاوض ويبقى على التفاوض لمدة عشرة أعوام، ولن يسلم بشيء أو يعطى الفلسطينيين شيئا. استفزنى كلام شامير ورددت عليه بمنتهى القسوة، وهو الأمر الذى لا يوحى بأننا فى مؤتمر سلام، بل فى مؤتمر صدام. قلت له إنك تستعين بمتشددين، ولو أننى فى مكانك ما استعنت لا بهذا ولا بذلك، وأشرت الى ما عنده من مساعديه، واحدا واحدا. لم يقل لنا عمرو موسى إنه أشار إلى نيتانياهو، ولكننا جميعا فهمنا أنه هو المقصود. هى الرمزية الواضحة المتكررة فى الكتاب كثيرا. غضب شامير من حدتي، كما غضب الوفد الإسرائيلى لإشارتى الى أعضائه غير المؤمنين بالسلام، لكنى تيقنت من حديث شامير الصريح أنه لا توجد نية لدى قادة إسرائيل لحل الصراع، وأنهم سيماطلون لإطالة الصراع، وليس لوضع نهاية له». يقول لطفى الخولى الذى كان حاضرا فى الاجتماع، إنه قابل الرئيس الأسبق مبارك عقب عودتهم الى القاهرة وأنه حكى له ما دار بينى وبين شامير ووصفنى بأنى غول دبلوماسي. أحييك سيادة الرئيس على اختيار عمر موسى وزيرا للخارجية. تقبل الرئيس كلام لطفى الخولى بأريحية. وأنه كان يعتبر أن مواقفى القوية على الساحة العربية والدولية تخدمه شخصيا، وتعيد بناء مركز قوى لمصر فى المنطقة، وتمنحها كروتا عدة على المستوى الدولي». هناك مواجهة كبرى أتذكرها، لم يذكرها الكتاب، أعيانى البحث لأجدها: فى جلسة مجلس الأمن بتاريخ 1 نوفمبر 1993، والتى حضرها عمرو موسي، ونيتانياهو الذى كان وقتها الممثل الدائم لإسرائيل، بعد توقيع اتفاق أوسلو.

فى خلال تلك الجلسة كرر نيتانياهو كلمة «رسيبروستي»، والتى تعنى المعاملة بالمثل عدة مرات، والتى سبق له استخدامها عشرات المرات فى مقابلاته الصحفية والتليفزيونية العديدة التى كان يجريها حينها. كان للكلمة سحر على مستمعيه وكانت نوعا من البروباجندا التى كان نيتانياهو خبيرا بها.

ظن أن اختزاله للسلام بتلك الكلمة سيكون كافيا، وبالتالى كان يكررها لتسليط الضوء على ضرورة الرد بالمثل من الفلسطينيين قبل أى انسحابات أو تسهيلات أمنية من الجانب الإسرائيلي. أجاب عمرو موسى حينها بأن التهرب من الالتزام بالمثل يحول السلام الى مجرد كلام، وأن السلام لا يمكن أن يختزل بكلمة مبهمة، وشدد على أن الشروط الإسرائيلية تعتمد فقط على الأمن، بينما تتجاهل التطورات الجوهرية مثل اعتداءات المستوطنين والتحريض الداخلي.

لم يستخدم نيتانياهو الكلمة بعدها أبدا. أفقده عمرو موسى سحره الذى كان يسحر به أسماع المشاهدين وأعينهم. كان الموقف وكأنما عمرو موسي، يقتدى بموسي، وكأنما نيتانياهو سحرة فرعون. كانت لحظة تاريخية بحق تحول فيها عمرو موسى الى أستاذ يملك الأدوات الضابطة للخطاب الدولي.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: كتابيه «1»”عمرو موسى وجبهة الرفض”

شكرا للتعليق

مجدى قاعود

رئيس مجلس الإدارة مستشار قانوني صاحب مكتب قاعود للاستشارات القانونية وأعمال المحاماة