مصطفى جودة يكتب: نوبل والأوسكار والأوليمبياد «2ــ 2»

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

منحت جائزة نوبل للكيمياء 2025 لثلاثة علماء بسبب ابتكار وتطوير مواد متقدمة تسمى الأطر المعدنية – العضوية، وهى مواد متقدمة صلبة صممت هندسيا كأنها شبكات بللورية تتكون من عقد مصنوعة من فلزات ترتبط بجسور عضوية، عبارة عن جزيئات كربونية تشكل هيكلا عملاقا. صاحب هذا الاختراع هو العبقرى الفلسطينى الأردنى والمجنس السعودى والأمريكى عمر ياجى، الذى كان لاجئا فلسطينيا، ثم سافر للولايات المتحدة للدراسات العليا والحصول على الدكتوراه فى الكيمياء.

يستطيع المهندس الكيميائى من خلال هذا الابتكار الفريد تصميم هياكل معدنية يحدد خصائصها قبل صنعها، وذلك من خلال تغيير المعدن، كالزنك أو الزركونيوم وغيرهما، وتغيير طول وشكل الجسر العضوى ليحصل على هياكل مسامية مختلفة ذات مساحات كبيرة.

لم يأت هذا الاكتشاف الثورى مصادفة، ولكنه جاء نتيجة أبحاث علمية شاقة. اللافت للنظر أن فكرة إنتاج الماء من الهواء الجاف وردت أول مرة فى فيلم الخيال العلمى المشهور: «حرب النجوم- الحلقة الرابعة- أمل جديد»، والذى تم عرضه فى السينما عام 1977، وفيه يبدأ لوك سكاى ووكر رحلته التى ستغير وجه المجرة. عندما تشاهد الفيلم، ستشاهد أبراج الرطوبة فى الصحراء الجرداء بعد نحو 20 دقيقة من بداية عرض الفيلم، فى مشهد بيع للآليات فى مزرعة لارس.

من الواضح أن هذا المنظر كان مختزنا كحلم قابل للتحقيق فى ذاكرة عمر ياجى أحد العلماء الثلاثة الذين فازوا بجائزة نوبل للكمياء هذا العام، والذى وصفه أستاذه المشرف بأنه كان قادرا على تصنيع المركبات غير العضوية عندما كان طالبا. هناك صلة واضحة بين جائزة نوبل فى الكيمياء هذا العام، وبين فكرة استخراج الماء من الهواء دون الحاجة الى استهلاك الكهرباء، التى ظهرت لأول مرة فى «فيلم حرب النجوم»، مع فارق أن الواقع العلمى يجعلها تعمل بالفعل باستخدام حرارة الشمس بدل الكهرباء. فيلم حرب النجوم قدم الصورة الكبرى، وعمر ياجى يقدم صورة واقعية تعمل بالشمس وتنتج ماء فى الصحاري الجافة، وهو الأمر الذى سيحدث ثورة حقيقية فى مستقبل البشرية وسيحقق معجزات حقيقية، حيث سيقضى على مشكلات العطش، وسيعمر الصحارى ويسهم فى زراعتها وحل مشكلات الطعام للبشرية.

نحن فى مصر سنكون من أكثر المستفيدين به، حيث لدينا الطاقة الشمسية ولدينا العقول القادرة على البحث العلمى فى هذا المضمار، الذى يجب أن تشجعه الدولة وترعاه مؤسساتها. بدأ عمر ياغى أبحاثه فى جامعة كاليفورنيا- بيركلى، لاستخلاص الماء من الهواء عام 2014، حيث كانت بداية مشروعه الكبير «الماء من الهواء». لاحظ عمر وفريقه أن مادة مسامية من فئة «الأطر المعدنية-العضوية» تمتص الماء بقوة عند رطوبة منخفضة. قبل ذلك كان عمر ياجى يعمل بجامعة كاليفورنيا- لوس انجلوس عقب حصوله على الدكتوراه من جامعة إلينوى المرموقة عام 1990، حيث أسس فرعا للكيمياء يسمى «الكيمياء الشبكية». بعدها وفى يناير 2012، انتقل الى بيركلى وتولى إدارة « المنشأة الجزيئية» فى معمل لورانس الذائع الصيت، حيث رصد هو وفريقه سلوكا مائيا غير معتاد عند استخدام أطر معدنية-عضوية من الزركونيوم وحمض الفوماريك، مكنته من التقاط بخار الماء عند درجة رطوبة 20%، ثم تحريره كماء تحت درجة حرارة شمس خفيفة.

شكلت هذه الملاحظة نقطة الانعطاف لتصنيع جهاز يعمل بلا تكثيف. فى عام 2017، نشر هو وفريقه بحثا عن أول جهاز يجمع الماء من هواء صحراوي باستخدام أشعة الشمس وحدها، وهو الأمر الذى أدى الى تصنيع جهاز يعمل فى ظروف ميدانية منخفضة الرطوبة.

فى عام 2018، تم إنجاز أول تجربة صحراوية مفتوحة فى ولاية أريزونا على نموذج الجهاز عند درجة رطوبة منخفضة جدا. فى عام 2019، استخدم هو وفريقه جهازا يعمل على مدار الساعة باستخدام الألومنيوم، وهو الأمر الذي أدى الى تحسين كفاءة الجهاز، وذلك من خلال عملية الإسراع فى دورات امتصاص البخار وتحرير الماء بمعدل أكثر. فى الفترة من 2022-2024، أجريت تجارب بنجاح فى منطقة وادى الموت المعروفة بالجفاف الشديد، وبحرارتها العالية، وثبت خلالها قدرة الجهاز على إنتاج المياه فى تلك البيئة القاسية. طريقة عمل الجهاز بسيطة، حيث تقوم المادة المعدنية-العضوية المذكورة أعلاه بامتصاص بخار الماء حتى فى البيئة ذات الرطوبة المنخفضة. عندما تتعرض تلك المادة لدفء الشمس الخفيف فى النهار، تطلق ذلك البخار الممتص من الهواء الجاف، فيتكاثف على سطح بارد داخل الجهاز ويجمع كماء سائل. تكمن قيمة الجهاز فى أنه لا يحتاج تيارا كهربائيا خارجيا. حدث هذا بنجاح فى كل التجارب التي تم استخدام الجهاز بها.

 استخدامات الجهاز محدودة حتى الآن، والجهاز ينتج كميات صغيرة لكل جرام من المادة المستخدمة والتى يعاد استخدامها آلاف المرات. ذلك الإنتاج يعتمد على درجة الرطوبة ودرجة حرارة الشمس فى منطقة الاستخدام وتصميم المكثف داخل الجهاز. أداء الجهاز يعتمد على ديناميكية امتصاص البخار ثم إطلاقه، وتعتمد كثافته على جودة تصميم الجهاز ومتانة المادة المستخدمة واحتفاظها بنشاطها عبر آلاف دورات الاستخدام، وتكاليف التصنيع، وكلها أمور يجرى تحسينها حاليا. الجهاز بتصميمه الحالي مناسب للبيوت والأماكن المتفرقة وحالات الطوارئ والرحلات، غير أن استخدامه لمدن كاملة متوقع فى السنوات المقبلة ليكون حلا جذريا لنقص الموارد المائية على سطح الأرض.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: نوبل والأوسكار والأوليمبياد «1ــ 2»

شكرا للتعليق