مصطفى جودة يكتب: حكاية الشاطر زهران

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

ولما كانت الليلة الثانية بعد الألف، قالت شهرزاد: بلغنى أيها الملك السعيد، ذو الرأى الرشيد، أنه كان هناك شاب طموح، اسمه الشاطر زهران بن ممدانى، حقق ما لم يحققه أعظم الفرسان. عندما مارس حقه وترشح لانتخابات عمدة مدينة نيويورك تحالفت ضده كل القوى والتيجان، فهزمها جميعا وحقق لنفسه كل الأحلام. حكاية الشاطر زهران لا تفهم حق الفهم إلا إذا رجعنا الى طفولته والى نشأته الأولى بواسطة والدين مثقفين غاية الثقافة. ولد الشاطر زهران فى 18 أكتوبر 1991، فى كمبالا، على ضفاف بحيرة فيكتوريا. عاش فى كمبالا حتى الخامسة من عمره، ثم انتقل بعدها مع أسرته الى مدينة كيب تاون بجنوب إفريقيا، عقب تولى والده برنامج الدراسات الإفريقية هناك، وكان ذلك عقب انتصار جنوب إفريقيا على العنصرية البغيضة، وبداية عهد جديد لجنوب إفريقيا أصبحت فيه البلاد بعدها تنعم بالعدالة والديمقراطية بعد القضاء على الفصل العنصرى (أبارتيد).

 بعد عامين استقرت الأسرة فى نيويورك بالقرب من جامعة كولومبيا الأمريكية المرموقة عقب حصول الوالد على وظيفة أستاذ بها. نستنتج من ذلك أن زهران عاش غالبية عمره فى مدينة نيويورك التى لا تنام، وشوارعها مكتظة من كل حدب ومكان، ويزورها يوميا ملايين البشر من كل مكان ولسان.

كتب منذ سنوات أن «كيب تاون علمته شكل اللامساواة عن قرب، وأن نيويورك لقنته معنى الامتياز المسئول». أما أمه «ميرا ناير»، فتعلمت فى الهند وهارفارد وأصبحت مخرجة عالمية، من أفلامها العالمية «زواج على الطريقة الهندية، وسلام مومباى، حفل زفاف فى موسم الامطار، وملكة كاتوى». كانت تصحبه معها لعملها ممسكة بيده وهو يطوف مواقع تصوير أفلامها، حيث كان أفراد الطاقم يطلقون عليه اسم بطل الأسطورة «زورو». ربما تكون هذه التسمية، هى المرسخة فى روحه أن يكون شخصية أسطورية مثل زورو تدافع عن الفقراء وتواجه الفسدة الأقوياء.

 علمته أمه من خلال ذلك أن السينما جوهرة الكرامة وأنها ليست مجرد أضواء، ولكن عملا جماعيا شاقا دائما يحتاج تعاون فريق كامل من العاملين. أما الأب، محمود ممدانى، فيعمل أستاذا للعلوم السياسية والتاريخ والاجتماع، له كتب أساسية عن الاستعمار وما بعد الاستعمار، منها: المواطن والرعية، وعندما يصير الضحايا قتلة، والمنقذون والناجون، ومسلم صالح ومسلم طالح.

 كتب أيضا عن رواندا ودارفور، وعن طبقات المجتمع فى أوغندا. يقول زهران عن والده إنه علمه، «سنن السياسة وأن يميز بين ما يقال على منابر الصحافة وما يجرى تحتها من مصالح».

فى هذا البيت الرفيع ترعرع الشاطر زهران، فالبيت مليء بالكتب وثقافة الوالدين، وكأنه رضع الثقافة وحسن الكلام وصياغة البيان.

فى هذا المناخ الفريد نشأ الشاطر زهران وترعرع: أب يعلم كيف تقرأ السلطة، وأم تعلم كيف ترى النفوس وتحكى حكاياتها، فكان نتاجه صبيا يجمع بين لغة الورق والأضواء، وأن الجملة لا تكفى بلا دليل، وأن اللقطة لا تكفى بلا سياق.

 كبر الفتى زهران وحصل على بكالوريوس فى الدراسات الإفريقية من كلية بودوين المرموقة فى عام 2014. فى صيف 2013، قدم إلى القاهرة حيث تعلم اللغة العربية فى مقرر مكثف مدته ستة أسابيع، وزار كثيرا من المدن المصرية وعرف عن قرب أهمية مصر وثقافتها.

عقب تخرجه كرس جهوده فى العمل الأهلى وفى خدمة السكان، ودخل السياسة المحلية فى ولاية نيويورك. عندما أعلن الشاطر زهران عزمه الترشح لعمدة نيويورك، التى يطلق عليها «التفاحة الكبيرة»، والمدينة التى لاتنام، قامت قيامة الخصوم، وتحالفات المال والسياسة والسلطة الأمريكية والصهيونية العالمية وإسرائيل ومنظمة إيباك بكل سطوتها المعروفة عبر تاريخها وهزيمتها كل من تجده لا يخدم المصالح الإسرائيلية.

لقد هزمت فى الماضى أعضاء مجلس نواب ومجلس شيوخ ما كان أحد يظن أنها قادرة على هزيمتهم مثل السيناتور «فولبرايت» وعضو مجلس النواب «فنلي» لمجرد نقدهما إسرائيل.

 لم يك هناك أحد من الداعمين يظن أن لديه أى فرصة للفوز، وخصوصا أنه يسارى ومسلم. وخصوصا أن نيويورك هى عاصمة الإعلام الأمريكى وهى «إسرائيل الكبرى» كما وصفها جمال حمدان، وأن إسرائيل تحكم الإعلام الأمريكى، والإعلام يحكم العقل الأمريكى، ومن ثم تصير إسرائيل هى الحاكم النهائى لأمريكا.

 كان سلاحه السرى مساندة شباب الجامعات الذى خنق طموحه الرئيس السابق بايدن من خلال حرمانهم من التعبير عن آرائهم وحقوقهم المشروعة وكبح جماح المظاهرات فى الجامعات الأمريكية وتشريعاته الخانقة لكل من يتفوه باسم إسرائيل بأنه عدو للسامية. سيشهد التاريخ أن سياسات الرئيس بايدن هى أحد الأسباب التى أدت الى تحفيز الشباب.

 اجتمع هؤلاء الشباب مع الفقراء ومع ما تفعله إسرائيل من ارتكاب الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين وما تبثه وسائل الاعلام عبر أكثر من عامين من مجازر غير مسبوقة فى التاريخ الحديث ووجود حكومة يمينية فى إسرائيل لا تبالى بقتل النساء والأطفال والمسنين على الهواء، وتظن أنها فى مأمن من النقد والعقوبة مثلما كانت عليه الأمور فى الماضي. فى النهاية فاز الشاطر زهران بعرش نيويورك رغم كل الشكوك واتحاد المتآمرين وسطوة المال وتحكم إسرائيل. وهنا أدرك شهريار الصباح فسكتت عن الكلام المباح.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: نوبل والأوسكار والأوليمبياد «2ــ 2»

شكرا للتعليق