مصطفى جودة يكتب: حكاية نيتانياهو وكوابيس اللاعودة «1ــ 2»
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
ولما كانت الليلة الخامسة عشرة بعد الألف، قالت شهرزاد بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد أن السيد نيتانياهو أجرى مقابلة فى برنامج 60 دقيقة المشهور والذى أذيع يوم الأحد الموافق 10 مايو 2026، على شبكة سي.بي. إس الأمريكية، والذى شمل تغطية موسعة عن العلاقة بين أمريكا وإسرائيل والحرب مع إيران وغزة وحزب الله وتراجع صورة إسرائيل ومحاولة مواجهة عودة المخادعة للرأى العام العالمى، والذى فقد التعاطف مع إسرائيل والصهيونية.
هنا قاطعها الملك قائلا: اشرحى لنا بالتفصيل ذلك البرنامج وأهميته وشهرته، واشرحى ماذا تقصدين بقولك عودة المخادعة.
قالت شهرزاد: نعم، هو واحد من أشهر البرامج التحليلية للأخبار فى العالم ومن أنجحها، ويستضيف فقط مشاهير العالم وصناع القرار.
أذيعت أولى حلقاته منذ قرابة 58 عاما فى 2 سبتمبر 1968، ويتميز بتحقيقاته الصحفية القوية وحواراته الساخنة، وكذلك ملفاته الشاملة، عن الشخصيات والقضايا المهمة، كما أنه يعتبر مرجعا مهما فى الصحافة التليفزيونية الأمريكية، وبالتالى حقق مكانة مرموقة عالميا، وحصد العديد من الجوائز.
يتميز أيضا بأن المعدين له يجرون الكثير من البحث عن الشخصيات التى يجرون معها المقابلات. مثالا لذلك ما قاله المذيع الأشهر فى تاريخ البرنامج، مايك والاس، عن سر نجاحه فى مقابلاته فى هذا البرنامج، قال: عادة أقوم بتكليف من يعملون معى بإجراء بحوث شاملة عن الشخصية التى سأقابلها، ثم أطلب من السي.آي.ايه، إعطائى البروفايل النفسى لتلك الشخصية ثم أعد قائمة نهائية بالأسئلة التى سأوجهها له، دون توخى الإحراج والحذر، وبالتالى تخرج المقابلة شاملة وعميقة. ضرب مايك والاس أمثلة بالمقابلات الشهيرة التى أجراها مع أنور السادات ومع شاه إيران، والتى حققت مشاهدات غير مسبوقة.
من هنا تأتى أهمية المقابلة مع نيتانياهو فى هذا البرنامج. المقابلة لم تكن مجرد حوار تليفزيونى عابر، بل منصة كبرى مهمة، يخاطب من خلالها العالم كله، فى لحظة حرجة تمر بها إسرائيل بعد حرب الإبادة التى وثقها الإعلام العالمى، وشهدها العالم كمحرقة موثقة تنفذ على الهواء للشعب الفلسطينى، وهو الأمر الذى ضرب كل الشائعات والبروباجندا الكاذبة التى استطاعت إسرائيل أن تتبناها منذ نشأتها الأولى وأن تقنع الكثيرين من خلالهما فى الغرب والشرق، بأنها ضحية وأنها دولة متحضرة وواحة للديمقراطية وسط شعوب متخلفة. لقد كان ظهور رئيس الوزراء الإسرائيلى فى هذا الوقت خطة استراتيجية وإيذانا ببدء العمل المكثف من كل القوى التابعة للصهيونية، وعملية محسوبة ومحاولة منه لإرجاع الأمور إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر 2023، والى ما كانت تنعم به من صورة متحضرة وعصرية وراقية وسط أعداء يريدون القضاء عليها
ورغم علمه علم اليقين بأن إعادة الأمور إلى سابق عهدها الذهبى للصهيونية وإسرائيل أمران مستحيلان، إلا أنه يقوم بتلك العملية المستحيلة، متشبثا بقشة المخادعة. تأتى تلك الاستحالة من قانون علمى غير قابل للكسر، اسمه القانون الثانى للديناميكا الحرارية والذى يمكن توظيفه فى تفسير ما يحدث، والذى أحد نصوصه أن كل العمليات فى كل منظومات الكون، صغرت أم كبرت، غير قابلة للعكس. والذى يطلق عليه، قانون اللاعودة، والذى له تفسيرات علمية وسياسية وتاريخية منذ بداية القرن العشرين. أطلق عليه ابن خلدون الاضمحلال فى مقدمته لتفسيره الوهن الذى يصيب الحضارات، وأن الأمور لا تعود إلى حالتها الأولى بعد حدوث التغيير. ولهذا تقول الديناميكا الحرارية إن كل العمليات فى الكون محكومة بقانون اللاعودة.
من خلال ذلك يمكننا استعارة استخدام ذلك القانون لفهم ما الذى حدث للصهيونية العالمية وإسرائيل بعد حرب الإبادة التى مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين فى غزة؟، كانت إسرائيل قبلها تستمتع بسمعة لا تقارن، وبدون أى شكوك، وكان لا يجرؤ أحد على نقدها أو التعرض لأى شىء ترتكبه حتى ولو كانت جريمة كبرى يجرمها القانون الدولى. ببساطة كانت إسرائيل فوق القانون، وفى مأمن من أى عقاب.
لكن بعد مشاهد القتل للأطفال والنساء والمسنين بلا رحمة على الهواء مباشرة، إضافة لكل ما شاهده العالم من عمليات الدمار الشامل بقسوة غير مسبوقة، ومشاهدة عمليات إجبار السكان على النزوح القسرى، وانتهاكات حقوق الإنسان التى قام الجيش الإسرائيلى بها، والذى طالما ادعى مقولة إنه أكثر جيوش العالم أخلاقا. ومن هنا فإن عمليات تداول الصور اليومية عبر الإعلام ووسائل التواصل، هى الأمور التى خلقتها طبيعة العصر، ومن هنا يمكن القول باستحالة عودة الأمور والصورة إلى سابق عهدها، وكما كانت بمجرد مقابلة تليفزيونية يجريها السيد نيتانياهو أو حملات علاقات عامة منظمة تقوم بها اللوبيات الصهيونية وما تنفقه من أموال طائلة فى ذلك المجال. لقد حدثت زيادة فى تراكمات الشكوك، والاعتراضات، والغضب، والتجارب البصرية والعاطفية التى يستحيل محوها من ذاكرة المشاهدين. لقد أصبحت المحاولات القديمة البالية لإقناع المشاهدين بأن إسرائيل ليست دولة معتدية وأنها تريد السلام مع جيرانها، وأنها مهددة بالزوال من جيرانها.
لم يعد الأمر مجرد سوء تفاهم إعلامى عابر، بل تحول عميق فى الإدراك لدى الرأى العام. لذلك فإن المحاولات اليائسة التى يقوم بها نيتانياهو وبليونيرات الصهيونية لإرجاع الصورة الجميلة لإسرائيل كما كانت من قبل، تمثل محاولات كسر قانون اللاعودة الذى لن يسمح به العلم. ربما تكون أغنية أم كلثوم خير مثال لذلك القانون: «وعايزنا نرجع زى زمان، قول للزمان ارجع يا زمان».
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: حكاية أحلام نيتانياهو «1ــ 2»

