مصطفى جودة يكتب: حكاية الحكيم أبو الغار «1-2»

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

قالت شهرزاد حلت علينا يا مولاى منذ أسبوعين فى الثانى من يوليو ذكرى ميلاد حكيم مصرى عظيم وأستاذ جامعى مرموق وكاتب ألمعى هو الأستاذ الطبيب محمد أبو الغار، الذي ولد فى الثانى من يوليو 1940، ليملأ الدنيا علما وبحثا وثقافة. آثاره تدل عليه، وتجعل منه مرشحا جديرا بجائزة نوبل في الطب، وهو الأمر الذى يتعين على جامعة القاهرة وغيرها من المؤسسات الطبية فى مصر والعالم العربى أن ترشحه لها. سيكون تكريما مستحقا له ولمصر ومساهماتها فى تطور الطب عبر القرون، لو أنه حصل عليها. حيثيات حصوله على تلك الجائزة تفى بالشروط المؤهلة لذلك، فهو يعمل أستاذا للتوليد وأمراض النساء بطب القاهرة منذ 1979، وهو أول من أنشأ مع زملاء له أول مركز لأطفال الأنابيب بمصر والعالم العربى ليحقق منذ إنشائه حلم الإنجاب للذين يعانون إعاقة مانعة.

 يحرص الدكتور أبو الغار وشركاؤه فى هذا المركز على استدامة خدماته المستقبلية من خلال إجراء أبحاث متقدمة رفيعة المستوى فى مجال التناسل وعلم الوراثة وفى تقديم برامج تدريبية متطورة لشباب الأطباء من كل المناطق العربية، وبالتالى فإن المركز يعمل وكأنه جامعة عالمية حديثة.

هنا قاطعها الملك قائلا: لقد كتب عن ذلك المركز وعن أبو الغار وعلمه الكثيرون، فما هو الجديد فى حديثك عن هذا العالم الجليل؟

 أجابت شهرزاد: نعم كتب عنه وعن أسرته ومقالاته الصحفية، وكتبه الثقافية والعلمية وميوله السياسية والفنية الكثير، غير أنى فى حديثى اليوم، أن أقارنه بعظيم من الأقدمين، يشبهه كثيرا، وهو الأمر الذى لم يتعرض له أحد من قبل.

سأعقد مقارنة بينه وبين أبوبكر الرازى. كلاهما طبيب وكلاهما موسوعي.

فى البداية يحكى لنا أبو الغار عن ذكرى مهمة يختزنها فى ذاكرته ويحتفى بها منذ التحاقه بكلية الطب جامعة القاهرة، ربما تكون هى المفتاح والقوة الدافعة له ليكون الإنسان الموسوعى الذى تعرفه كل الدنيا.

 فى حوار مع الصحفية منى الشيخ بتاريخ 7 نوفمبر 2020، قال: «كانت دفعتى فى إعدادى طب 200 طالب.

 أتذكر أول محاضرة حضرها عميد الكلية وقد استدعى معه يحيى حقى وحسين فوزى وحدثونا عن أهمية القراءة والفنون وفلسفة الحياة وقالوا لنا لابد أن تتخرجوا حكماء وليس أطباء».

 له أيضا قول مأثور لافت للنظر فى هذه المقابلة الصحفية: «هناك جنود مجهولون فى مصر يحافظون عليها ويعملون فى هدوء وصمت لرفعتها».

 هذا القول يمثل المحتوى الإنسانى لأبو الغار الذى يمكن وصفه أنه حامل الراية لهؤلاء الجنود الشجعان الذين يعملون فى صمت فى كل مكان، لأنهم يدركون أن حب الوطن من تقوى الله كما قال الإمام محمد عبده، رحمه الله.

أبو الغار طبيب لامع لا يقل عن أقرانه من عظماء الأطباء فى العالم كله، وهو أيضا باحث فى مجاله لا يشق له غبار، له أكثر من 200 بحث علمى كلها موثقة وذات صدى وتأثير بالغ فى مجاله.

مقالات أبو الغار الثقافية بالمئات فى الصحافة المصرية وأحاديثه فى التليفزيون، وما يكتبه عبر وسائل التواصل الاجتماعى تعلم قراءه الكثيرين وتمنحهم جرعات مستدامة من الفكر والثقافة.

صفحته على الفيس بوك مملوءة حكمة وثراء، وجديرة بالدراسة العلمية، وأن يقوم باحث بتفنيدها ودراستها والحصول على ماجستير أو دكتوراه بخصوصها، أما مقالاته الثقافية فى الصحافة المصرية فهى لا تحصى ولا تعد وتتناول موضوعات عن التعليم وتطوره والبحث العلمى وضرورته واستقلال الجامعات والسياسة والاقتصاد والكتب والسينما والفن التشكيلى، والتاريخ، والأحداث الجارية، والموسيقي. غالبية كتبه المنشورة تركز على النصوص المهملة الصعبة التى لا يطرحها ولا يطرق أبوابها الكثيرون، وبالذات عن الآخر، والتى تحتاج مجهودات خارقة لإنجازها لقلة المصادر الأساسية المتاحة عنها، منها كتابه الفيلق المصرى عن جريمة اختطاف الآلاف من المصرين ليحاربوا الى جانب بريطانيا خلال الحرب العالمية الأولى، وهو الكتاب الذى نشرته دار الشروق ليكشف لنا عن جريمة تجنيد واستخدام مئات الآلاف من المصريين قسرا لخدمة الجيش البريطانى فى أثناء الحرب، وليعاملوا بقسوة بالغة وليعملوا فى إنشاء السكك الحديدية ونقل الإمدادات فى سيناء وفلسطين وسوريا والعراق وأوروبا.

 وهناك كتاب عن يهود مصر فى القرن العشرين، وكتاب عن الوباء الذى كان يطلق عليه الحمى الاسبانية الوافدة التى بدأت تجتاح العالم عام 1918، التى تسببت فى قتل 180 ألف مصري.

أيضا له كتابان آخران بعنوان أمريكا وثورة 1919, وآخر بعنوان على هامش الرحلة. يشترك أبو الغار مع أبو بكر الرازى فى كثير من الأمر.

كلاهما من محبى الموسيقى، وكلاهما موسوعى المعارف ومتعدد الأبعاد، ومن هنا فهما متشابهان رغم فروق المكان والزمان، وصف الإمام الذهبى الرازي: بأنه الأستاذ الفيلسوف الطبيب، صاحب التصانيف، من أذكياء زمانه، وكان كثير الأسفار، وافر الحرمة صاحب مروءة وإيثار ورأفة بالمرضى، وكان واسع المعرفة مكبا على الاشتغال».

الذى يعرف أبو الغار يقول لك بأن هذا القول يمثل ويشخص أبو الغار أيضا تمثيلا دقيقا. ما زال وهو فى السادسة والثمانين من عمره يحضر المؤتمرات العلمية ويسهم فيها بشغف وكأنه شاب فى الثلاثين من عمره، يمثل مصر ويعرف بها فى تلك المحافل البالغة الأهمية، وكأنه حامل الراية من بنيها، آخرها مؤتمر فى بريطانيا منذ أسبوعين.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: حكاية المناظرة الفريدة «2-2»

شكرا للتعليق