أنا الفراتيّ.. من رواية “الحزن الأزرق”

محمد صالح عبيدو
الكاتب والأديب: محمد صالح عبيدو – سوريا

أنا الفراتيُّ  ابنُ بحّةِ النّايات ونحِيبِ الكمنْجات.طالبُ الاقتصاد، الجاردُ للخَيبَات، المَدينُ للعُيونِ بالدّمع والدائنُ للفرحِ بالابتسامَات..

أَنا أوَّلُ قَصائِدِ السَّجَع، و آخِرُ عَناقيدِ الوجَع…

أَنا تَثاؤُبُ الغُروبِ و انبِلاجُ الصّباح…

أَنا الشَّفَقُ في نهايةِ النّفق، والغسَقُ في نهايةِ الأُفُق…

أَنا صَهيلُ اللّهفةِ و مِلءُ الأَشْداق…

أَنا رَعشَةُ الأَيادِي المُلوِّحَة، ونُواحُ الحَقائبِ المُودِّعة…

أَنا رجفةُ الفزّاعةِ في نهايةِ موسمِ الحصاد..

أَنا حرارةُ الشّمسِ في شهرِ كانون، ولَسعةُ البردِ في شهرِ آب…

أَنا أوَّلُ أوراقِ الخريفِ المُتساقِطة، و أوَّلُ أوراقِ الرّبيعِ اليانِعة…

أَنا ابنُ لمبةِ الكاز، و رَحى الشَّعير، وخُبزِ التَّنُّور، وَ مَدافِئ الحطب…

أَنا ابنُ الهواءِ الغَربيِّ المُحمّلِ بِنسماتِ العِشّق…

أَنا الغُصْنُ الذي امتطى صَهوةَ الحديدِ وصارَ فأْساً في المَدينَة.

أَنا ابنُ ضِفافِ الخابورِ الذي تُبْكيهِ حشرجةُ ناي، وتُرْقِصُهُ دندنةُ كمنْجة…

أَنا الحَسكاويُّ القادِمُ من مُدنِ القَمْح، الهاربُ إلى مُدُنِ الملْح؛ أنحني كالمناجلِ لأُساعِدَ غَيري…

مخبوزٌ أنا بحكاياتِ الرّيفِ البَعيد، أسْرِقُ البساطةَ من شِفاهِ الأُمّهات، والإيمانَ من مِسبَحاتِ الجدّات…

أُسرِجُ الحُزن، امتطي صهوةَ الوجع، ألجُمُ ثَغرَ الفرح، ثُمّ أُروِّضُ في عيني غيمةً نِصفَ ثَكلى وقصيدةً شبهَ حُبلى بالدّموع…

أنا لونُ الوداعِ في وجُوهِ الرّاحِلين.

و ثقلُ السّاعةِ في أيادي المُنتَظرِين. وارتعَاشَةُ الصّوتِ في شِفاهِ الواجِفين. والتّلفّتُ في عُيونِ التّائِهين..

أنا الدّمعُ المنثور والعناقُ المبتور والعمر المهدور

 أنا أواخرُ نهاياتِ الفرح و أوّلُ بداياتِ التّرح..

أَنا الحَسكاويُّ لا أَبكي

 بل أَمطُر..

بل أَمطُر..

لأَجفَّ أنا ويُزهِرُ غيري.

لأَجفَّ أنا ويُزهِرُ غيري.

اقرأ ايضاً

وذُلّت الأعناق “مقتطف من رواية قنابل الثقوب السوداء”

شكرا للتعليق على الموضوع