مصطفى جودة يكتب: زياد الرحبانى وجائزة نوبل

أ.د: مصطفي جودة

رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا

مات زياد الرحباني في التاسعة والستين من عمره، بعد حياة حافلة في بيت لبناني غنى عن التعريف لكل الأمة العربية، يشبه المعبد الفني، سيدته فيروز التي وصفتها أم كلثوم بأنها صوت من الجنة، ووصفها عبد الحليم حافظ بأن صوتها ملائكي.

 إنه صوت متفق عليه في الوطن العربي قاطبة ولكل من سمعه عبر رحلة عمرها الطويلة التي تجاوزت التسعين عاما. مات زياد الكاتب والشاعر والملحن الذي استطاع دمج موسيقي الجاز والموسيقي الكلاسيكية والشرقية لينتج وصفة سحرية تناسب صوت فيروز.

 كان ناشطا سياسيا وصاحب فكر مستقل حر، وواحدا من أبرز مبدعي الثقافة الشعبية في لبنان والعالم العربي. ذكر عن نفسه في مقابلات تليفزيونية أن به «عرقا مصريا» وشغفا خاصا بالشيخ زكريا أحمد وتمني لو كان غني له الشيخ إمام.

 كان مجاهرا في حربه على الطائفية، وكان لا يبالي ناقديه. كان كنزا مخفيا، وكان فنانا أصيلا قلما يجود الزمان بمثله. كل محبي فيروز يذكرونه ويتأملون كلمات أغانيه التي تشدو بها ويدركون مدي التأثير الذي أحدثه إبداعه في تطوير فنها منذ أن كان في السابعة عشرة من عمره عام 1973.

 له 800 لحن وأغنية منها أكثر من ثلاثين لفيروز. كتب ولحن لها كثيرا من الكلاسيكيات الخالدة. كل يوم يمر علينا منذ موته في السادس والعشرين من يوليو الماضي، نكتشف أنه كان موهبة وكان أسطورة.

 أتمنى لو ترشحه جهة لبنانية رسمية لجائزة نوبل هذا العام رغم أن الجائزة تمنح للأحياء.

حالته مختلفة لأن الترشيح يشمل والدته الحية والمستحقة.

لأن الجائزة تمنح للأحياء.

 هو يستحقها بجدارة مثلما فاز بها من قبل في عام 2016، المغني والملحن الأمريكي بوب ديلان، وهو الأمر المتشابه لدرجة كبيرة.

 ترشيحه سيكون تكريما للثقافة اللبنانية والعربية وتكريما لأمه العظيمة وبقية عائلة الرحباني، المبدعة والتي أسهمت كثيرا في حياة اللبنانيين والعرب.

 في البداية نعقد مقارنة موضوعية بينه وبين بوب ديلان، لندرك أحقيته. إرث زياد الموسيقي وكلمات أغنياته ومسرحياته التي تعكس الصراعات اللبنانية والعربية والتي تخاطب الجماهير بهويتها وهواجسها تعطيه الحق في جائزة نوبل. عندما فاز المغني والملحن الأمريكي بوب ديلان بها، كان أول مغنى وملحن في التاريخ يفوز بها. كانت حيثيات فوزه من اللجنة المانحة أنه: «أدخل تعبيرات شعرية جديدة في جسد الأغنية الأمريكية». توسع مفهوم الأدب بفوز بوب ديلان بجائزة نوبل ليشمل كلمات الأغاني والصوت الموسيقي.

من هذا المنطلق فإن زياد الرحباني جدير بأن ينالها مناصفة مع فيروز مثلما نالها بوب ديلون من قبل. كان مثل بوب ديلون كاتبا وشاعرا ومؤثرا في والدته العظيمة. هو يتفوق على بوب ديلون في كتابة المسرحيات والمقالات والإخراج. كان مجددا في الأغنية العربية ولو فندنا إنتاجه الفني فسيتضح لنا الشبه الكبير بينهما. غنت له فيروز روائع من كلماته وألحانه:

سألوني الناس (1973)، وهي أول تعاون بينه وفيروز، حيث قام هو بكتابة الأغنية وتلحينها: «سألوني الناس عنك يا حبيبي كتبوا المكاتيب وأخذها الهوا ولأول مرة ما نكون سوا». وكتب لها «على طول أنا وياك»، وسلمي عليه. وأغان أخري منها: معرفتي فيك، رح نبقي سوا، يا عصفور البرد، سفينتي بانتظارك، الحالة تعبانة، خليك بالبيت، عودك رنان، حبيتك نسيت النوم، بعتلك، أنا عندي حنين، البوسطة، كيفك أنت، اشتقتلك، ومش كاين هيك تكون، عندي ثقة فيك، ضاق خلقي، قديش كان في ناس، حبوا بعض، نطرونا كتير، يا جبل الشيخ، تتذكر ما تتعاد، صباح ومسا، شوف شوبخاف، كما كتب ولحن لها العديد من الألبومات: وحدن، وكيفك أنت، وألبوم لعاصي مش كاين هيك تكون، وألبوم فيروز في بيت الدين، ألبوم ولا كيف، وألبوم ايه فيه أمل.

له ديوان شعر اسمه صديقي الله إضافة الى كتابة 12 مسرحية، أخرج منها خمسا بنفسه: مسرحية المحطة ومسرحية سهرية، ونزل السرور، بالنسبة لبكرا شو، فيلم أمريكاني طويل، شي فاشل، بخصوص الكرامة والشعب العتيد، لولا فسحة الأمل، الفصل التاني.

الفرق الوحيد بينهما، هو أن العالم يسمع بوب ديلون بلغته، ولا يتاح له سماع زياد، ولا يقرأ له بلغته. أيضا الدعايات والاهتمامات الكثيرة والأبحاث عن ديلون والتي تجري بكثافة عنه وعن فنه وكل ما يخص حياته. توجد عنه ستة أفلام وثائقية، وتوجد أعماله الفنية في 11 كتابا إضافة الي كتابين للأطفال.

 هو بلا شك أيقونة أمريكية وكل أغانيه من كلاسيكيات الثقافة الأمريكية وله ملايين المعجبين والمعجبات في العالم كله. بالنسبة لزياد فإن معرفته مقصورة على لبنان المعجبين والعالم العربي، ولكن يشفع له ميراث والدته العظيمة، وموسيقاه التي جددت أسطورتها. له مئات الأحاديث الإذاعية في الكثير من أحداث لبنان الساخنة. هناك فرق آخر جوهري مهم: لم يكن زياد سعيدا في الحب وكان بوب ديلون سعيدا فيه وكان مصدر إلهامه، بخلاف زياد. تزوج مرتين وارتبط عاطفيا في أوائل الستينيات بالمطربة الأمريكية جون بياز، والتي لها صوت مشابه لصوت فيروز وهي التي منحته فرصة عمره وقدمته للجمهور كمطرب وصحبته معها في رحلاتها وحفلاتها مما أكسبه شهرة وجعلت الناس يعرفونه ويحبونه، وكان يطلق عليهما ملكة وملك الفولكلور. لم تستمر علاقتهما طويلا، ولكنها تركت فيه أثرا عميقا بقية عمره. كتبت جون بياز وغنت أغنية مشهورة عن تلك العلاقة اسمها: دايموند آند رست (ماس وتراب)، والتي تعتبر إحدى كلاسيكيات الغناء الأمريكي. أنتجت نت فليكس فيلما وثائقيا عن قصة حبهما في عام 2019. كان يجب أن تشاركه جون بياز جائزة نوبل.

gate.ahram

اقرأ للكاتب

مصطفى جودة يكتب: كتابيه «6» عمرو موسى والهرولة نحو الشرق أوسطية

شكرا للتعليق