مصطفى جودة يكتب: حكاية هاريسون المكار
أ.د: مصطفي جودة
رئيس الجامعة البريطانية بالقاهرة – سابقا
ولما كانت الليلة الثالثة بعد الألف، قالت دنيا زاد لأختها شهرزاد: يا أختى أحكِ لنا عن نصوص اعتبرناها مهملة فى تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلى، ولم ندرسها حق دراستها ونستخلص منها العبرة والعظة، ونوثقها حق توثيقها، ونفهم من بين سطورها حجم المؤامرة التى دائما تحاك ضدنا، ولتكن بداية حديثك عن اللاجئين فى غزة وأهلها الذين مزقتهم حرب غير متكافئة وظالمة، والذين يلفح وجوههم البرد، ويموتون جوعا وعطشا، وتفترسهم الأمراض أطفالا وشيوخا ونساء ورجالا ولا يجدون دواء، ويغير عليهم بصفة يومية بعد اتفاق هدنة وقّعه كثير من دول العالم، عدو غاشم تجرد من قيم الإنسانية والحضارة، واحك لنا هل كانت هناك حوادث مماثلة فى التاريخ؟.
فقالت بلغنى أيها الملك السعيد ذو الرأى الرشيد، أنه كانت فى زمن غير بعيد، وعقب الحرب العالمية الثانية بالتحديد، حكاية تشبه حكاية اللاجئين الفلسطينيين اليوم. كان ذلك عقب انتصار الحلفاء فى الحرب العالمية الثانية واضمحلال وأفول الإمبراطورية البريطانية التى كانت لا تغرب عنها الشمس، وتسلمت أمريكا راية السيادة العالمية والزعامة الغربية فى عصر الرئيس ترومان.
حدث عقب الاستسلام الألمانى فى مايو 1945، أن ظهرت معضلة إنسانية كبرى شبيهة بمعضلة اللاجئين الفلسطينيين فى غزة فى أيامنا تلك. كان هؤلاء اللاجئون يقيمون فى معسكرات مؤقتة تحت إدارة الجيوش الغربية المنتصرة حينها. تبنت هذه الإدارة قواعد عسكرية صارمة، وأرادت أن تحكم بالعدل والمساواة بين كل اللاجئين من كل جنس وتهمل خصوصية اليهود التى أرادتها الصهيونية.
عندها غضب الرئيس ترومان، وعين السيد «إيرل هاريسون»، ليكون ممثلا للولايات المتحدة فى اللجنة الحكومية الدولية للاجئين، وكلفه بأن يقوم بجولة ميدانية فى يوليو 1945. فعل هاريسون ما أمر به الرئيس ترومان، وأعد تقريرا خطيرا يفى بكل المتطلبات الصهيونية، أرسله للرئيس بتاريخ 24 أغسطس 1945، وثق فيه اكتظاظ الملاجئ وعدم ملاءمتها ونقص العناية الطبية والغذائية ودعا فيه للاعتراف باليهود كفئة مميزة بين اللاجئين، وركز على ضرورة تحسين سكنهم وغذائهم وحسن رعايتهم ومنحهم خصوصية نتيجة تعرضهم للإبادة على حد وصفه، وأوصى بضرورة فتح باب الهجرة اليهودية الى فلسطين لنحو مائة ألف.
بدأ تقريره بقوله: «سيدى الرئيس، بناء على تكليفكم المؤرخ بتاريخ 22 يونيو، قمت بصفتى ممثل الولايات المتحدة فى اللجنة الحكومية الدولية لشئون اللاجئين، بجولة تفقدية فى مناطق الاحتلال الأمريكى بألمانيا والنمسا، لبحث أوضاع اللاجئين الذين خلفتهم الحرب، وقد أوليت اهتماما خاصا باللاجئين اليهود الناجين من الاضطهاد النازى، التزاما بتوجيهكم بالتركيز على تلك الفئة.
يشمل هذا التقرير نتائج الملاحظات الميدانية والمشاهدات المباشرة، ومقابلات مع سلطات الاحتلال والمنظمات الإغاثية واللاجئين أنفسهم مع توصيات عاجلة وآجلة. لقد لاحظت من مشاهداتى أنه يوجد هناك شروط معيشية وإدارية سيئة فى عدد كبير من مواقع اللاجئين خصوصا اليهود، وقد قمت بزيارة أكثر من ثلاثين مخيما، وتمت المقارنة بين معاملة فئات مختلفة من اللاجئين، ولاحظت أنه خصصت ثكنات لهم قريبة من أماكن اعتقالهم السابقة، وبعضها داخل مجمعات كانت تستخدم لمعاقبتهم. لاحظت أيضا أن الأحوال الصحية والغذائية والكساء متواضعة، وأن المرافق الصحية غير كافية،.
كما لاحظت أن السلطات العسكرية تعامل جميع اللاجئين على أساس المنهج القومى (بولنديون، وتشيكيون …الخ)، دون الاعتراف بخصوصية اليهود كجماعة عانت الإبادة وما يتتبعها من آثار نفسية واجتماعية وصحية مختلفة. والنتيجة أن احتياجاتهم المميزة تهمل أو تذوب. كما لاحظت أن النظام الغذائى والرعاية الطبية فى مواضع كثيرة، لا ترقى الى ما تقتضيه متطلبات التعافى، ولا تزال بعض الإجراءات الطبية والتنظيمية قاصرة، بما فى ذلك توفير العلاج النفسى والاجتماعى، وإتاحة أنشطة تعليمية وترفيهية تعيد إدماج الأفراد والأسر فى حياة إنسانية طبيعية.
وعليه فإنه لا بد من الاعتراف باليهود كفئة متميزة إداريا داخل منظومة اللاجئين بالنظر الى طبيعة ما تعرضوا له من اضطهاد منظم واستئصالي. هذا الاعتراف يستلزم ترتيبات خاصة فى السكن والغذاء والعلاج والكساء والأنشطة وإعادة التوطين. وفى غالبية مقابلاتى معهم، عبر الناجون اليهود صراحة عن رغبتهم فى مغادرة ألمانيا بأسرع وقت، وإعادة توطينهم فى فلسطين بوصفها الوجهة التى يرون فيها إمكانية تأسيس حياة آمنة وكريمة بعد المحرقة.
من أجل هذا أقترح توصيات عاجلة منها التحسين الفورى للمعيشة، وذلك برفع مخصصات الغذاء والملبس والبطاطين والمرافق الصحية، وضمان تزويد منتظم للأدوية والخدمات الطبية، مع اهتمام خاص بالنساء والأطفال وكبار السن وذوى الإعاقات، كما أقترح تخصيص مخيمات لليهود ضمن المنطقة الأمريكية تحت إدارة مدنية، كما أقترح إدخال برامج دعم نفسى، وتعلم لغات ومهارات، وتنشيط الحياة الدينية والثقافية وفق رغبة اللاجئين، بما يبعث الى الأفراد إحساسهم بالكرامة والانتماء الإنسانى.
اختتم هاريسون تقريره بقوله: سيدى الرئيس، إن مسألة اللاجئين، خاصة اليهود، ليست إدارية محضة، بل هى اختبار أخلاقي للحلفاء بعد انتصارهم. لا يكفى أن نكون قد حررنا المعسكرات، بل الواجب يحتم علينا ضرورة إقامة نظام إنسانى يعيد لهؤلاء الناس حقهم فى الحياة الكريمة والاختيار الحر. كما أن السرعة فى اتخاذ القرارات ذات الأثر المباشر، وتحسين المخيمات، والاعتراف بالهوية، وفتح باب الرحيل لمن أراد- هى معيار نجاحنا فى الانتقال من الحرب الى السلم. ارفع هذا التقرير بثقة أن الإدارة ستتخذ ما يوافق ما تقتضيه الكرامة الإنسانية.
هنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح.
gate.ahram
اقرأ للكاتب
مصطفى جودة يكتب: حكاية الشاطر زهران

