ريم ياسر تكتب: افتتاح المتحف المصري الكبير.. احتفال بحضارة لا تموت ورسالة تتوارثها الأجيال
قيل أن مصر ليست فصلًا من كتاب التاريخ، بل هي التاريخ نفسه وكله، من هنا انشأ المصري القديم حضارة لا تشبه سواها، حضارة قامت على العدل والإيمان بالحق والجمال، من هنا عرف الإنسان إنسانيته، ومن هنا ولد الفكر وبدأ الإنسان أولى خطواته على درب النظام والقانون والدين والفن، من على أرض مصر بدأ الإنسان يحاور السماء ويرسم صلاته على جدران المعابد ويصوغ من الحجر ما يجعلنا نشهد أن الإنسان حين أراد أن يكون عظيمًا، كان مصريًا. فمنذ فجر التاريخ، حين كان البشر ما يزالون تائهون ولا يجمعهم سوى قبائل متفرقة، كانت مصر قد أشرقت بنورها على ضفاف النيل، لتنشر تعاليم الزراعة والكتابة والفكر والبناء لشتى البقاع، فصارت مصر هي المدرسة الأولى، ومن هنا مرة أخرى تنتظر مصر بعد أيام قليلة بل ساعات معدودة حدثًا هو الأضخم في العالم، حيث يقف المتحف المصري الكبير كأعظم مشروع ثقافي في القرن الحادي والعشرين، كتاج يزين جبين حضارتنا المصرية ويعطي درسًا للعالم كيف يحافظ على تراثه.
يروي المتحف المصري الكبير حكاية وطن خُط تاريخه على الجدران قبل الورق، يمتد على مساحة نصف مليون متر مربع، ليكون بوابة إلى الماضي ومزارًا للمستقبل، ويضم المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، يتصدرها كنوز الملك المصري توت عنخ آمون والتي سيُرفع عنها الستار لأول مرة في هذا الاحتفال الضخم، فكل زاوية في هذا المتحف تنشد ترنيمة من الجمال والرهبة وكل ركن يحمل أنفاس المصريين القدماء الذين شيدوا المجد حجرًا فوق حجر.
وربما لأن سر عظمة حضارتنا يكمن في امتزاج حاضرنا بتاريخنا ومستقبلنا، هنا حكاية لشخص عاش حياته بين التماثيل والمومياوات، يحرس ذاكرة التاريخ بعينٍ لا تنام، هي لحارس أفنى سنوات عمره يعمل كموظف أمن في المتحف المصري القديم في التحرير، عمل بضمير يقظ ليكون بطلًا لحكاية صدفتها تشبه القدر، وهو عم أحمد المنياوي.
كنت في زيارة إلى المتحف المصري في التحرير منذ بضعه أيام، وبينما تأسرني المعروضات، سمعت حديثُا جانبيًا يأتي من ركن لا يبعد عني الكثير، كان المتحدث ذو صوت رخيم هادئ، يبدو عليه كبر السن، ولكن ما جذبني لاسترقاق السمع، هو الحماس والفرحة التي لمستها في صوته، كان الرجل يسأل أحد زملائه العاملين في المتحف عن كيفية الذهاب لحفل افتتاح المتحف الكبير، في البداية ظننت أن الرجل ربما اختلط عليه الأمر ربما لا يعلم أن الاحتفالية في أيامها الأولى ستكون مخصصة للرؤساء والملوك من دول العالم، ثم فاجئني بإخباره للشخص الذي يحدثه بأنه قد تم توجيه دعوة رسمية له لحضور حفل الافتتاح، بالطبع اندهشت من الأمر فالتفت على الفور نحو الرجل، لأجد رجل ستيني يرتدي زي الأمن ويجلس على كرسي جلد أسود يبدو عليه التهالك، وبدون تفكير قادتني قدماي نحو الرجل وبدون أي مقدمات وجدتني ابتسم له واخبره بأنني قد سمعت حديثه الذي اثار فضولي عند ذكر الدعوة الخاصة الموجهة له من وزارة الأثار بحسب قوله، ثم سألته وقد رأيت اسمه المدون على الكارت التعريفي به على الملابس ” أنت مين يا عم أحمد؟ ألا تعلم أن الحفل في اليوم الأول مخصص للرؤساء والملوك، فسيحضر أكثر من 60 رئيس وملك ورئيس وزراء من مختلف دول العالم، كيف ستحضر؟ أقصد هل أنت متأكد أن الدعوة لليوم الأول؟” ليرد هو علي ساخرًا: ” يا ابنتي ونحن حراس التاريخ لسنا بأقل منهم”.
مرة أخرى الرجل يثير فضولي، فسألته عن سبب دعوته وحينها علمت أن العم أحمد المنياوي يصادف يوم تقاعده يوم احتفال المتحف المصري الكبير، ونظرًا لتفانيه في العمل طيلة أربع عقود من الزمن، قدمت له وزارة الأثار دعوة خاصة لحضور الاحتفالية تكريمًا له، لم يكن كل هذا مثير بقدر ما عرفته بعد ذلك، كان العم أحمد متحمسًا للغاية ليس فقط لحضور احتفالية مع الملوك والرؤساء بل لأنه قال لي أن لديه رسالة مهمة يجب أن يسلمها لحراس المتحف المصري الجديد وأن هذه الرسالة قد ورثها عن جده الذي كان يعمل حارسًا لمقبرة أخناتون في تل العمارنة، بل علمت بعدها بلحظات أن جده قد اخبره في ليلته الأولى في حراسة المتحف المصري بالتحرير وهو يسلمه تلك الرسالة، أنها كانت تتوارث قديمًا بين كل حراس المقابر والمعابد المصرية القديمة لسنوات طويلة حتى وصلته، وها هو يسلمها لحفيده حارس المتحف.
ما فحوى الرسالة؟ كيف تبدو؟ من كتبها؟ ولماذا تتوارث؟ كلها اسئلة كادت تفتك بعقلي وقلبي معًا، ولم أكن لأهدأ أبدًا حتى أعرف ما السر وراءها. وبينما كانت شوارع محافظة الجيزة تتهيأ والمحروسة بأكملها تستعد وتتجمل كملكة تنظر حفل تتويجها، كان العم أحمد المنياوي يقف أمام زجاج عاكس لإحدى القطع المعروضة، رأيته ينظر لوجهه الذي قد خطته التجاعيد فصارت ملامحه كخريطة لزمن مر بين حراسة التاريخ والخوف على المستقبل، لكني لاحظت أن عيناه تتلألأ وكأنه تذكر فجأة أن تلك الخطوط في ملامحه كانت شاهدة على حكاية كل أثر وقطعة في المتحف، أدركت في هذه اللحظة أن للعم أحمد ما يقوله، وشعرت أنا أنه هناك من يجب أن يسمعه.
حدثني عم أحمد عن أولى أيامه في المتحف، وكيف تعرف على قصة كل تمثال وقطعة، كان حديثه مليء بالدفء والتاريخ والذكريات، ثم أخرج من جيبه جواب ذهبي، لم تكن ورقة عادية كما تخيلت الرسالة التي أخبرني بها، وما إن دققت النظر وتفحصت عيناي كل تفصيلة فيها حتى وجدت سطر قد كتب بالهيروغليفية “نِست مِدجو نِب نِتِر” أي إلى حراس التاريخ.
طلبت منه أن يقرأ نص الرسالة وقد وافق على الفور كأنه كان يتعطش أن يطلب أحدهم هذا، على كل حال بدأ يقرأ قائلًا:
” يا من أوكلت إليكم مفاتيح الزمن، وورثتم منا الأمانة قبل أن ترثوا أي شيء أخر، اعلموا أنكم لا تحرسون جدرانًا من حجر، بل تحرسون روح أمة نُقش وجودها في صدر الدهر. كل تمثال بين أيدكم ليس جمادًا كما تتصورون بل قلب نابض بحكاية من عاش ومات كي تبقى مصر حية أبية.
لقد تناوبنا نحن الحراس على هذه الأمانة منذ آلاف السنين، من حراس المقابر الذين أغمضوا أعين الملوك في سلام، إلى من حرسوا المعابد في الليل الطويل حين نامت المدن وخفت ضجيجها، كنا نسمع في الليل همسات الأحجار وهي تحكي خوفها من النسيان، فأقسمنا أن نحرسها لا بأيدينا بل بأرواحنا.
وها هي الأمانة اليوم بين أيديكم، أمانة التاريخ الذي لا يشيخ، فاحذروا.
سيأتي زمن يحاول فيه الناس سرقة التاريخ من بين أيدكم، وزمن آخر يسعى فيه البعض إلى تزييفه وتشويهه، وزمن ثالث يدعي فيه الغريب أنه صاحب الفجر الذي بزغ في أرضكم.
احفظوا هذه الحقيقة كما تحفظ الأم اسم وليدها: مصر هي الأصل وكل ما جاء بعدها، ظلها.
هي التي علمت الإنسان أن يُقيم عمره بما يقدمه من قيمة، فكونوا الحراس كما كنا.
لا تخافوا الغُبار ولا تخشوا ظلمة الليل، فما من غبار يعلو على الذهب وما من ليل يطفئ شمس التاريخ، اجعلوا من عيونكم أسوارًا ومن قلوبكم مفاتيح ولا تسمحوا لأحد أن يسرق ما حرسناه بدمائنا.
سلام عليكم يا حراس الحاضر والمستقبل، فأنتم امتداد الذين حرسوا الملوك وبنوا المعابد، أغلقوا أبواب الغفلة، وافتحوا نوافذ الفخر، احملوا هذا الوطن في صدوركم كما يحمل الكهنة مصابيح المعابد في الليالي المقدسة..فأنتم حراس التاريخ وأمناء خلوده.”
كان لصدى الكلمات تأثيرًا كبيرًا على كل من سمعها، والحقيقة أنه ما بدأ العم أحمد المنياوي أن يقرأ حتى اجتمع الزائرين والسائحين الموجودين في القاعة حوله، الكل كان يستمع بشغف حتى وإن لم يفهم الكلمات، بل هناك من طلب من المترجم الحاضر معه ترجمة ما يقول، أما أنا فكنت على يقين أن هذه الرسالة كانت تنتظر الوقت المناسب، كانت تنتظر موعد افتتاح المتحف الكبير حتى تصل لجيل جديد من الحراس، ربما هي الصدفة التي جمعت يوم تقاعد العم أحمد مع الاحتفالية، وربما هو القدر الذي منحه الدعوة لحضور هذا اليوم، وربما هي رسالة أجداد من عالم آخر يحاولون الحفاظ على توارثها بطرقهم الخاصة.
وختامًا عزيزي القارئ، قد تظن أن ما قرأته للتو حكاية من زمن بعيد أو أسطورة قديمة خرجت من بين جدران المعابد، لكنها ليست سوى رسالة رمزية من حارس تخيله الخيال، ليذكرنا بأن التاريخ لا يموت، بل ينهض كلما أعدنا النظر إليه بعين الفخر والامتنان.
وها هو المتحف المصري الكبير اليوم، يفتح ذراعيه ليحمل الشعلة ذاتها التي حفظها الحراس القدماء، ويعلن أن حضارتنا قائمة وأن تاريخنا لم يدفن مع الملوك، نعم القصة ليست حقيقية لكن ربما روحها تكون حقيقية أكثر من أي واقع أخر، لأن فينا، في كل مصري، يسكن حارس صغير للتاريخ، ربما تُلهينا الحياة لكننا لا ننسى ولا نتهاون مع من يحاول المساس بحضارتنا وتاريخنا، وبينما نتجهز جميعًا للاحتفال بهذا الحدث الضخم، ها نحن نقف كحراس للتاريخ جيل بعد جيل، نتوارث مصريتنا ونقف مدافعين عنها ضد كل الأعداء والمخربين والحاقدين.
اقرأ للكاتبة
ريم ياسر تكتب: من ليلة سقوط بغداد إلى ليلة سقوط لبنان “نزيف من الدم والألم واحد”

