محسن عقيلان يكتب: ضربة دمياط وخطة ترامب لدمج الجبهات

في قراءة فاحصة لمجريات الأحداث المتسارعة، تأتي حادثة استهداف منشأة تخزين الغاز الطبيعي المسال العائمة الأمريكية في ميناء دمياط بمصر لتطرح علامات استفهام كبرى  فمصر، الدولة المستهدفة في هذه العملية، لا تعيش حالة عداء مع إيران، وتجمعها في المقابل علاقات متوازنة مع امريكا، وجاء موقفها الذي اعتبره كثيرون “شبه محايد” ليضعها ضمن أربع دول صنفت كوسيط رئيسي في الحرب الدائرة.

الغرابة والريبة لا تكمن في الحادثة ذاتها فحسب، بل في ردة الفعل السريعة من دونالد ترامب و تهديده لإيران بضربها بقسوة أشد عقابا لها. هذا الجزم السريع يثير التساؤل: لماذا الإصرار على إلصاق التهمة بطرف دون انتظار التحقيقات؟

محسن عقيلان يكتب: خطة نتنياهو المتحركة وقعر البئر

الطرف المجهول الجديد

إن القراءة العميقة تؤكد أن إيران تتمتع بالذكاء السياسي والعسكري الكافي الذي يمنعها من القيام بخطوة مكشوفة وعلنية كهذه.

فالمنطقة شهدت سابقاً ضربات لمواقع في عُمان، ومقذوفات اخترقت الأجواء التركية، واستهدافات لمواقع حيوية في السعودية، وكلها قُيدت ضد “أطراف مجهولة” وإن كانت معلومة الهوية ضمناً لدى أجهزة الاستخبارات (إسرائيل)

لكن المشهد اليوم دخله لاعب جديد يصنف كـ “طرف مجهول” في صراعات الشرق الأوسط، وهو الطرف الأوكراني.

الأدلة على هذا التدخل غير البريء بدأت تطفو على السطح؛ منذ ضربت السفينة الإيرانية في بحر قزوين، إلى ضبط مجموعة أوكرانية تخريبية في العراق اعترفت بمهامها حسب الاجهزة العراقية  وصولاً إلى الدور الأوكراني السابق في دعم الفصائل لعزل بشار الأسد في سوريا حتى مشاركة بعض جنودهم في حرب غزة . هذا الحضور الأوكراني المتزايد في ساحات المنطقة يؤكد أن رقعة الصراع لم تعد محدودة، بل أصبحت تتوسع و تتمدد لكن ليس تمدد عفوي.

لغز المسارات: 3 سيناريوهات لاختراق الأجواء

وفقاً للقراءات الاستخباراتية والتقارير الصادرة عن مراكز الأمن البحري الدولية مثل “أمبري” و”فانغارد”، فإن طريقة تنفيذ الهجوم وبُعد ميناء دمياط عن جبهات الملاحة الساخنة كالبحر الأحمر، والخليج العربي يفتح الباب أمام ثلاثة مسارات تكتيكية محتملة للانطلاق.

    السيناريو الأول (السفن المموهة): وهو المرجح أمنياً، حيث يشير الخبراء إلى إمكانية إطلاق المسيّرة من على متن سفن تجارية أو ناقلات مدنية “مموّهة” كانت تعبر المياه الدولية للمتوسط، وهو ما أتاح لها تفادي الدفاعات والرادارات الساحلية .

  السيناريو الثاني (حرب الغواصات): يلمح إلى دخول الصراع مرحلة “حرب الأعماق والسطح” في شرق المتوسط، عبر إطلاق مسيّرات قصيرة المدى من غواصات مجهولة الهوية لضمان عدم ترك أي أثر راداري خلفها.

   السيناريو الثالث (الخلايا البرية): ويفترض قيام خلايا نائمة أو عناصر تخريبية متسللة بإطلاق مسيّرة انتحارية صغيرة من مناطق برية قريبة أو جيوب ساحلية محيطة بساحل الدلتا لتفادي رصد الحدود المفتوحة.

    السيناريو الاخير الذي لا يستبعده المراقبون ان يكون طرف موالي لإيران مثل حزب الله بسبب قرب مواقع سيطرته من ميناء دمياط وامتلاكه الخبرة الكافية لذلك  وان كان سيناريو مستبعد.

محسن عقيلان يكتب: قصف الدوحة رسالة لمن يهمه الامر

اللافت هنا هو سعي الدوائر الغربية والإعلامية فور وقوع الحادث إلى إدراج منشآت الطاقة في شرق المتوسط ضمن ما أسموه “خارطة أهداف التهديد الشامل لبنية الطاقة بسبب ما بثه التلفزيون الإيراني والمسؤولون العسكريون في الحرس الثوري مؤخراً من تحذيرات تضمنت خرائط تفاعلية توضح أن “جميع منشآت الطاقة والبنية التحتية للغاز والنفط في شرق البحر الأبيض المتوسط” ستصبح أهدافاً مشروعة إذا استمر التصعيد الأمريكي هذا ما بني عليه الاتهامات لإيران.

 من جهة اخرى. تسعى السياسة الأمريكية الحالية إلى توسيع جبهة الصراعين الإيراني والأوكراني ودمجهما في قالب واحد، وذلك لتحقيق مصلحة استراتيجية واضحة تتلخص في:

– تشتيت الجهد الحربي الإيراني وإشغاله في جبهات متعددة.

– توسيع الرقعة الجغرافية للصراع لشرعنه التدخلات العسكرية الأوسع تحت ذريعة حماية الطاقة والملاحة العالمية.

– استدراج القوى الإقليمية كمصر، والاستفادة من موقعها، ومحاولة دفعها مرغمةً لتولي مهام أمنية وعسكرية مرسومة لها سلفاً، مثل تأمين الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.

محسن عقيلان يكتب: انقطاع الكهرباء الكبير في إسبانيا وفتح باب التكهنات

خطط بدأت تأتي أكلها

هذه الاستراتيجية الأمريكية بدأت تؤتي أكلها بالفعل وتنعكس على لغة التهديدات المتبادلة؛ حيث توعدت إيران بضرب اوكرانيا انتقاما لضربها سفينة ايرانية في بحر قزوين وهددت ايضا بضرب القواعد البريطانية التي تنطلق منها الطائرات الأمريكية، وهنا ينتظر ترامب هذه الضربة بفارغ الصبر لأنه ينتظر ردة فعل الناتو  لضرب حليف وردة الفعل الاوروبية لاستهداف اوروبا وكيف ستتصرف الدول الاوروبية الرافضة للتدخل في الحرب الايرانية هذا ما يصبو اليه ترامب.

وبناءً على هذه السردية، تصبح اللعبة مكشوفة بالكامل؛ فالطرف الذي يقف وراء ضرب سفينة التغييز الأمريكية في دمياط سواء نُفذ بأيادٍ أوكرانية، أو عبر خلايا برية، أو بتدبير استخباري مشترك مع اسرائيل في عرض البحر- هو طرف لا يريد الاستقرار للمنطقة  بل يسعى جاداً لتوسيع رقعة النيران و خلط الأوراق و جر  اطراف جديدة للصراع وخاصة اوروبا واتاحة الفرصة لإسرائيل بتنفيذ عمليات  سرية  لكن بأعلام دول مستأجرة.

الكاتب: باحث في العلاقات الدولية

اقرأ للكاتب

محسن عقيلان يكتب: السقوط الهادئ للطائرة التركية والتحقيق المكتوم

شكرا للتعليق